لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي تتقاطع فيه ناقلات النفط، بل شكّل إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية، نظراً لموقعه الاستراتيجي كأحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط في العالم، ما يجعله نقطة ارتكاز حساسة في أي مواجهة إقليمية أو دولية.

ومع اندلاع المواجهة الأخيرة، استخدمت طهران هذه الورقة، محاولةً نقل الصراع من نطاقه العسكري المباشر إلى مستوى أوسع يمسّ الاقتصاد العالمي، إذ أقدمت عملياً على تعطيل الملاحة في المضيق، في خطوة هدفت إلى فرض معادلة تقوم على تهديد تدفقات الطاقة، في انسجام مع خطابها التصعيدي.

ولم يقتصر هذا التصعيد على التهديد النظري، بل تُرجم ميدانياً عبر استهداف سفن وتهديد حركة الملاحة في محيط المضيق، ما رفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، وأعاد إلى الواجهة سيناريوهات اضطراب إمدادات النفط العالمية، في مرحلة بدت فيها طهران ماضية في تكريس معادلة الإغلاق كخيار قابل للتنفيذ، لا مجرد ورقة تفاوض.

في هذا السياق، بدا أن إيران تحاول استخدام المضيق كأداة ضغط مركّبة: عسكرية من خلال تهديد الملاحة، واقتصادية عبر التأثير في أسواق الطاقة، وسياسية عبر إدخاله في حسابات التفاوض، وهو ما ظهر لاحقاً في الشروط التي طرحتها طهران لأي اتفاق طويل الأمد، في تأكيد إضافي على تمسكها العلني بهذه الورقة كركيزة في أي تسوية محتملة.

أخبار ذات صلة

ترامب يصف اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران بـ"الانتصار الشامل"
البيت الأبيض: ترامب نجح في إعادة فتح مضيق هرمز

غير أن مسار الأحداث أظهر تحولات تدريجية في هذا النهج، إذ انتقلت إيران من الإغلاق الكامل إلى السماح الجزئي والمشروط بمرور السفن، وتحديداً تلك التي تحمل بضائع أساسية إلى موانئها، ضمن آلية خاضعة لتنسيق مباشر مع السلطات الإيرانية، في خطوة بدت متناقضة مع خطاب التصعيد السابق، وعكست بداية تراجع عملي عن سياسة التعطيل الشامل.

وبالتوازي مع هذا التحول الميداني، سعت طهران إلى إعادة صياغة دور المضيق كورقة تفاوض مركزية، فوضعت ضمن شروطها لأي اتفاق طويل الأمد الاحتفاظ بحق فرض رسوم على السفن العابرة، والتي تختلف باختلاف نوع السفينة وحمولتها والظروف السائدة.

غير أن هذه المقاربة اصطدمت بجملة من القيود، أبرزها الطبيعة القانونية للمضيق كممر مائي دولي لا يمكن إخضاعه لإجراءات أحادية مثل فرض الرسوم، إلى جانب المخاطر العالية لأي تصعيد قد يستدعي رداً عسكرياً مباشراً لحماية الملاحة، فضلاً عن التداعيات المحتملة على الاقتصاد الإيراني نفسه، ما كشف حدود القدرة على ترجمة التهديدات إلى وقائع مستدامة.

وجاء التطور الأبرز مع الحديث عن أن وقف إطلاق النار مع إيران سيدخل حيز التنفيذ عند فتح مضيق هرمز، في إشارة واضحة إلى أن بقاء الممر مفتوحاً أصبح جزءاً من معادلة التهدئة، لا خياراً تفاوضياً بيد طهران، في انعكاس مباشر لتبدل موقع هذه الورقة من أداة ضغط إلى شرط مفروض.

وفي المحصلة، لم يعد مضيق هرمز ورقة ضغط فعالة بيد إيران كما كان يُطرح، بل تحوّل إلى مساحة تخضع لتوازنات دقيقة، تحدّ من إمكانية استخدامه كورقة تصعيد مفتوحة، وتفرض على طهران التعامل معه ضمن حدود الواقع لا منطق التهديد، في خلاصة تختصر مسار التناقض بين ما قيل في ذروة التصعيد وما فرضته الوقائع لاحقاً.