في لحظة حساسة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، في خطوة وصفها المراقبون بأنها بداية لإعادة ترتيب أوراق النفوذ والتوازنات في المنطقة.

وفي مقابلة مع سكاي نيوز عربية، استعرض الباحث في السياسة الخارجية جوردان شاكتيل أبعاد هذه الخطوة، مؤكدا أن ترامب يعمل وفق خطة دقيقة، تجمع بين السياسة والضغط الاستراتيجي، مع مراعاة مصالح حلفائه الإقليميين وضمان الأمن العالمي.

يرى شاكتيل أن سلوك ترامب العلني لا يعكس بالضرورة ما يدور في كواليس صنع القرار، معتبرا أن الرئيس الأميركي يعتمد أسلوبا تفاوضيا يتسم بقدر من "المخادعة"، وهو ما ينسجم، وفق توصيفه، مع خلفيته كرجل أعمال.

ويشير إلى أن التصريحات المتعلقة باستهداف البنية التحتية المدنية في إيران لم تكن مؤشرا حقيقيا على نية تنفيذ عمليات عسكرية بهذا الاتجاه، بل كانت أقرب إلى أدوات ضغط تفاوضية.

ويؤكد أن التوقعات كانت تميل منذ البداية نحو مسار صفقة سياسية، لا نحو تصعيد عسكري شامل، ما يعكس توجها لدى الإدارة الأميركية لإدارة الأزمة ضمن إطار تفاوضي مرن، حتى وإن بدا الخطاب العلني متشددا.

أخبار ذات صلة

إيران و"الخسائر المدفونة".. ماذا فعلت بها الحرب؟
ترامب: ما يجري قد يمهد لـ"عصر ذهبي في الشرق الأوسط"

تمديد المهلة.. استثمار الوقت أم تعثر في الاتفاق؟

يطرح شاكتيل احتمالين في تفسير سلوك ترامب: إما أنه يعمل على كسب الوقت لإنضاج اتفاق، أو أنه يمدد المهل نتيجة عدم التوصل إلى صيغة مرضية.

ويشير إلى أن تكرار تمديد الفترات الزمنية يعكس إشكالية في جودة الاتفاق المطروح، معتبرا أن الرئيس الأميركي قد يكون يستثمر "وقتاً وجهداً في اتفاق غير جيد".

وفي هذا السياق، يلفت إلى أن إعلان إنجاز المهمة مقرونا بطلب مزيد من الوقت يعكس حالة من التردد أو إعادة التقييم داخل دوائر القرار، خصوصاً في ظل النقاشات الجارية مع القيادات العسكرية.

تآكل القدرات الإيرانية وتبدّل ميزان القوة

يؤكد شاكتيل أن المعطيات الميدانية تشير إلى تراجع كبير في القدرات العسكرية الإيرانية، مشيرا إلى أن طهران لم تعد تمتلك، وفق الطرح الذي ينقله، قوة بحرية أو جوية فعالة، ولا قدرات هجومية مباشرة ضد الولايات المتحدة، باستثناء بعض الإمكانات المحدودة التي قد تستخدم ضد دول الخليج أو إسرائيل.

كما يشير إلى انخفاض مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية بشكل ملحوظ، مع غياب استعداد شعبي لخوض حرب واسعة. ويخلص إلى أن الوضع داخل إيران “مختلف عما كان عليه سابقاً”، ما يعزز فرص فرض شروط تفاوضية أكثر صرامة عليها.

أخبار ذات صلة

نتنياهو: ندعم قرار ترامب بتعليق الغارات على إيران
ترامب يصف اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران بـ"الانتصار الشامل"

هرمز كورقة ضغط.. بين الإغلاق والضمانات الدولية

يحتل مضيق هرمز موقعا محوريا في تحليل شاكتيل، الذي يرى أن إيران استخدمت الاقتصاد العالمي وموارد النفط كورقة ضغط، عبر التلويح بإغلاق المضيق.

إلا أنه يشكك في قدرة طهران على إبقاء المضيق مغلقا لفترة طويلة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة ستعطي أولوية قصوى لضمان حرية الملاحة.

ويرجح أن يتضمن أي اتفاق محتمل بندا واضحا يضمن إبقاء المضيق مفتوحا، مع إشراك الحلفاء الإقليميين في هذا الترتيب، نظرا لتأثير ذلك المباشر على استقرار الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.

لا لتغيير النظام بالقوة.. مقاربة مختلفة

يؤكد شاكتيل أن ترامب لا يسعى إلى تغيير النظام الإيراني بالقوة، بل يترك هذا الخيار للشعب الإيراني. ويقارن ذلك بما حدث في فنزويلا، حيث تم التدخل لإزاحة القيادة، لكن القرار السياسي النهائي تُرك لمكونات الداخل.

ومع ذلك، يشير إلى اختلاف الحالة الإيرانية بسبب الدعم الذي تتلقاه من الصين وروسيا، إضافة إلى دور الحرس الثوري، الذي قد يسعى إلى التكيف مع الضغوط عبر تقديم تنازلات محدودة.

أخبار ذات صلة

البيت الأبيض: ترامب نجح في إعادة فتح مضيق هرمز
رئيس وزراء باكستان: واشنطن وطهران اتفقتا على هدنة تشمل لبنان

البرنامج النووي.. تأخير لا إنهاء

يرى شاكتيل أن ما تحقق حتى الآن يمثل إنجازا مهما من حيث إبطاء البرنامج النووي الإيراني، مؤكدا أن طهران لن تكون قادرة على استئناف تطوير برنامجها بالوتيرة السابقة، وأن الأمر سيتطلب "سنوات عديدة" لاستعادة القدرات السابقة.

ويضيف أن هذا الواقع يعزز من هامش المناورة الأميركي، ويمنح واشنطن وقتاً إضافياً لإدارة الملف ضمن مقاربة تفاوضية.

الاستهدافات المدنية.. إدانة وتصعيد خطابي

ينتقد شاكتيل الهجمات التي تستهدف الأهداف المدنية، وخصوصا الفنادق والبنية التحتية، معتبراً أنها ترقى إلى جرائم حرب. ويؤكد أن هذا السلوك لا يمكن تبريره، ويقابله، وفق طرحه، تركيز أميركي على استهداف الأهداف العسكرية فقط.

كما يشير إلى استخدام إيران طائرات مسيّرة “انتحارية” لاستهداف شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، ما يوسع نطاق التهديد الإقليمي.

لبنان وحزب الله.. معادلة معقدة

يتناول شاكتيل الوضع في لبنان، واصفا إياه بالمعقد، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتأثير حزب الله على القرار الحكومي.

ويرى أن هذا التأثير قد يعرقل إمكانية التوصل إلى اتفاق، خصوصا في ظل استمرار المواجهات مع إسرائيل.

أخبار ذات صلة

رغم إعلان ترامب تعليق قصف إيران..إسرائيل ترصد صواريخ إيرانية
مفاوضات أميركية إيرانية في باكستان… وهدنة مشروطة بفتح هرمز

مراقبة وقف إطلاق النار.. اختبار النوايا

يشدد شاكتيل على أن وقف إطلاق النار سيكون تحت مراقبة دقيقة من الولايات المتحدة وأجهزتها الاستخباراتية، مع متابعة الإمدادات العسكرية التي قد تصل إلى إيران. ويؤكد أن الالتزام الإيراني سيكون العامل الحاسم في تحديد مصير الاتفاق.

كما يشير إلى دور إسرائيل والمعارضة الإسرائيلية في مراقبة التنفيذ، في إطار تنسيق أوسع مع واشنطن.

تحالفات وضمانات.. دور الحلفاء في تثبيت الاتفاق

يرى شاكتيل أن أي إعلان وشيك عن اتفاق سيقابله التزام من الحلفاء، باعتبار أن المرحلة تمثل "وقتا مهما" لضمان تثبيت وقف إطلاق النار. ويؤكد أن بقاء القوات الأميركية في المنطقة ليس خيارا دائما، ما يستدعي إشراك شركاء إقليميين ودوليين في ترتيبات الأمن.

تنسيق أميركي–إسرائيلي وثقة متبادلة

يبرز شاكتيل مستوى التنسيق العالي بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والتخطيط المشترك على مدى أشهر.

كما يؤكد أن إسرائيل، رغم صغر حجمها، أظهرت قدرات عسكرية تفوق وزنها، وأنها ستواكب التوجهات الأميركية في المرحلة المقبلة.

ويختتم شاكتيل تحليله بالتأكيد على أن أسلوب ترامب غير قابل للتنبؤ، سواء في تصريحاته العلنية أو قراراته الفعلية. ويصفه بأنه "عملي" ويتبع منهجا تفاوضيا مختلفا عن السياسيين التقليديين، معتمدا على مقاربات قد تبدو غير مألوفة في العلاقات الدولية، مشددا على أنه في حال اقتناع ترامب بجدوى الاتفاق، فإنه لن يكون الطرف الذي يبدأ بخرقه، خاصة إذا حظي بدعم حلفائه في الشرق الأوسط.