في خضم مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتصادم رؤيتان لا تلتقيان: طهران تتفاوض بنبرة المنتصر، وواشنطن تأبى القبول بصفة المهزوم.

بين هاتين المعادلتين المتناقضتين، يرسم وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة، في حديثه لسكاي نيوز عربية، خريطة تحليلية لديناميات الحرب المشتعلة، كاشفا عن 3 محاور تتشابك وتتعارض: المنطق الإيراني، والحسابات الأميركية، والأجندة الإسرائيلية التي قد تكون الأكثر تأثيرا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

مفاوضات تحت النار.. انفراجة أم إدارة صراع؟

إيران.. عقلية المنتصر في قلب الهزيمة

يشير المعايطة إلى أن الجانب الإيراني يتعامل مع ملف وقف الحرب بعقلية المتفوق والمنتصر، لا بعقلية الطرف الواقع تحت الضربات العسكرية المتواصلة.

ويوضح أن طهران ترفض رفضا قاطعا أي وقف مؤقت لإطلاق النار يفضي لاحقا إلى فتح مضيق هرمز، مطالبة في المقابل بإنهاء شامل للحرب وفق شروطها هي، بما فيها المطالبة بتعويضات لإعادة إعمار ما دمّرته الضربات الأميركية الإسرائيلية في بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية.

ويرى المعايطة أن هذه العقلية ليست وليدة اللحظة، بل هي النهج الإيراني ذاته منذ جولات التفاوض الأولى، ما يجعل التوصّل إلى تسوية وشيكة أمراً بالغ الصعوبة في ضوء الهوّة القائمة بين الموقفين.

وعلى الضفة الأميركية، يكشف المعايطة عن معادلة شديدة الضغط تحاصر الرئيس دونالد ترامب. فهو من جهة يعلن رغبته في إنهاء الحرب وإعادة جنوده إلى الوطن، غير أنه لا يستطيع من جهة أخرى القبول بأي صيغة تتيح له الانسحاب دون إنجاز المهمة كاملة.

ويحلل المعايطة أن ترامب لن يجازف بالعودة إلى ناخبيه وإلى المعارضة الديمقراطية المتربصة به، حاملا اتفاقا يقبل فيه الشروط الإيرانية فيما يخص بروتوكولات وقف الحرب وإعادة الإعمار.

فضلا عن ذلك، يشير إلى أن قبول ترامب بفتح هرمز ثمنا لوقف الحرب يعد ورطة سياسية حقيقية، إذ كان المضيق مفتوحا قبل اندلاع الحرب أصلا، مما يجعل تقديمه إنجازا أمرا غير مقنع أمام الرأي العام الأميركي.

ويخلص المعايطة إلى أن كلا المسارين — الإيراني والأميركي — يسيران في خطين متوازيين متناقضين لا يمكن أن يلتقيا في أي مفهوم للعملية السلمية الراهنة.

ضربات عنيفة في بوشهر الإيرانية.. إلى أين يتجه التصعيد؟

هرمز.. الورقة الأخطر في يد طهران

في تقييمه لموازين القوى، يرجح المعايطة أن مضيق هرمز يمثل الورقة الإيرانية الأهم والأشد تأثيرا، وليس الملف النووي كما قد يتوقع.

ويعلل ذلك بأن إغلاق هرمز يمس مباشرة سلاسل الإمداد العالمية وأسواق النفط والتجارة الدولية، مما يشعر الدول بأن استمرار الحرب يكلفها هي أيضا ثمنا باهظا وهو ما تسعى طهران إلى توظيفه ضغطا على واشنطن عبر تحريك المجتمع الدولي.

في المقابل، يرى المعايطة أن الملف النووي، رغم أهميته البالغة، يبقى محدود الحضور في أجندة غالبية دول العالم اليوم، إذ تنصب اهتماماتها على ضمان استمرارية الإمدادات النفطية وسلاسل التوريد.

الخيار الإسرائيلي.. إلى آخر نقطة في التدمير

يشير المعايطة إلى أن المتغير الإسرائيلي يحتل موقعا محوريا في رسم مسار الأحداث. فتل أبيب، بحسب تحليله، لا تفضل أي مسار دبلوماسي، وتسعى إلى الذهاب بالحرب إلى أقصى مداها، بما يشمل تدمير البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية والعمل على إسقاط النظام.

وعلى خلاف ترامب، يعمل نتنياهو في ظل ضغوط داخلية محدودة، مما يمنحه هامشا أوسع للمضي في هذا الخيار.

ويتوقع المعايطة أن ترامب سيوازي في نهاية المطاف الموقف الإسرائيلي، متجها نحو تطوير نوعية العمليات العسكرية وتوسيع نطاق الاستهداف — وهو ما يصفه ترامب نفسه بـ"الجحيم" — نظرا لانسداد آفاق التسوية في ظل الشروط الإيرانية الراهنة.

طهران تراهن على الاستنزاف وسط تصاعد التوتر

معضلة إسقاط النظام.. من يملأ الفراغ؟

يختم المعايطة تحليله بتشخيص دقيق لأعقد إشكاليات هذه الحرب: إذ يلاحظ أن الضربات الجوية، رغم إلحاقها أضرارا بالغة بالبنية التحتية الإيرانية العسكرية والاقتصادية وتنفيذها سلسلة اغتيالات طالت قيادات الحرس الثوري وشخصيات سياسية بارزة، تظل قاصرة عن إسقاط النظام ما لم يكن ثمة بديل جاهز على الأرض يملأ الفراغ الناجم عن سقوطه.

وينبه المعايطة خلال حديثه إلى أن النظام الإيراني يراهن على بقائه بوصفه انتصارا بحد ذاته، مشيرا إلى أن قيادة طهران تفاضل وعي بين ثمن باهظ يدفعه الشعب الإيراني، وبين الحفاظ على النظام الذي يعد الأولوية القصوى بالنسبة لها.

وهذه المعادلة تجعل المواجهة مرشحة للاستطالة، في انتظار مفاجآت أو تحولات قد تُغيّر موازين المشهد في أي لحظة.