مع تصاعد الحرب، ظهرت جبهة موازية لا تقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية، عنوانها الأبرز "التضليل الرقمي الإيراني" فخلال ساعات قليلة من كل تطور ميداني، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو تبدو للوهلة الأولى حقيقية، قبل أن تُكتشف حقيقتها كونها نتاج مباشر لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة كثيفة من المواد البصرية التي تزعم توثيق الضربات العسكرية أو رصد تداعياتها، غير أن مراقبين وخبراء أكدوا أن جانبًا معتبرًا منها مُولد باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو جرى التلاعب به رقميًا لخدمة روايات بعينها.
ويرى خبراء ومحللون متخصصون في مجال أمن المعلومات، لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن ظاهرة "الصور والفيديوهات الزائفة" دخلت مرحلة جديدة من حروب المعلومات، حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لصناعة روايات كاملة حول سير الهجمات والتأثير في الرأي العام، مشددين على أن جزء كبير من تلك الظاهرة يقف ورائها جهات ودول مستفيدة وتغذي "حرب الفبركة".
السوشيال ميديا.. سلاح "المرحلة"
كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن إيران أجرت إعادة هيكلة جذرية لاستراتيجيتها على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن حرب معلوماتية شاملة أطلقتها في خضم الحرب الراهنة، مستندة إلى أن خبراء الأمن السيبراني يرون أن "العمليات الإيرانية للتأثير على الخارج تصاعدت بشكل كبير، كجزء من حملة لا متناظرة تهدف إلى تكملة الانتقام العسكري".
وأوضحت الصحيفة أن تلك الاستراتيجية الإيرانية تضمنت إغراق منصات مثل "إكس وإنستغرام وبلوسكاي" بمنشورات مستهدفة صُممت لاستغلال عدم شعبية الحرب في الولايات المتحدة، بما في ذلك بين مؤيدي دونالد ترامب.
وأظهرت دراسة جامعة كليمسون الأميركية، أن "حسابات إيرانية على وسائل التواصل الاجتماعي كانت سابقًا تهدف لاستغلال الانقسامات السياسية في بريطانيا والولايات المتحدة، تم توجيهها فورًا لصالح طهران بعد بدء الضربات العسكرية في 28 فبراير".
وتخلت إيران عن حملاتها الإعلامية السابقة لصالح رسالة محددة تركز على قضية واحدة، تضمنت مقاطع فيديو وصورًا ساخرة مولدة بالذكاء الاصطناعي، إذ جرى توليد بعض المقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي لتظهر ضربات على حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لنكولن"، وأضرارًا مزعومة بالمباني في تل أبيب، وجنودًا إسرائيليين يزعم أنهم يبكون خوفًا من الرد الإيراني، لكنها في حقيقة الأمر "غير صحيحة".
"تكتيك إيراني"
بدوره، قال المحاضر بجامعة كليمسون في كارولاينا الجنوبية، ومؤلف دراسة حول "تكتيكات إيران"، دارين لينفيل، إن "إيران تستخدم كل أداة لديها، لقد كانوا يستعدون لهذا الصراع لما يقارب 50 عامًا، وكان هذا جزءًا من استعداداتهم.. وجرى استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير للغاية وبمعدل لم يشهده أحد من قبل بنفس القدر أو بنفس الطريقة".
وأضاف: "كان هناك حسابات يديرها الحرس الثوري الإيراني تدعي أنها اسكتلندية وأيرلندية وتتحدث عن السياسة المحلية يومًا، ثم تركز في اليوم التالي حصريًا على الحرب في إيران والدعاية الإيرانية بلا مواربة.. حيث تم قلب كل العمليات الاعتيادية لديهم بالكامل للتركيز على الحرب".
ولم يكن يتوقف الأمر عند ذلك فحسب، بل جرى توليد عدد من مقاطع الفيديو المُضللة للزعم باعتبارها لانفجارات وقعت في منطقة الخليج، إذ انتشر على نطاق واسع فيديو يُظهر حشودًا تنظر إلى النار والدخان والحطام الخارج من أعلى مبنى يُقال إنه في البحرين، لكن هذا الفيديو لم يكن حقيقيًا، فقد تم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره بواسطة حسابات إيرانية.
ووفق تحقق وكالة أسوشيتد برس، فهناك عدة دلائل تشير إلى أن الفيديو غير حقيقي، مشيرة إلى أن الحسابات المؤيدة لإيران على وسائل التواصل الاجتماعي، اعتمدت سردية تبالغ في حجم الدمار وعدد الضحايا، وأدى ذلك إلى ظهور عدد كبير من الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي.
بدورها، مضت منصة "إكس" في اتخاذ خطوات مباشرة للحد من انتشار منشورات الذكاء الاصطناعي المضللة، إذ أكدت تعليق المستخدمين من برنامج مشاركة الإيرادات إذا نشروا محتوى منشأ بالذكاء الاصطناعي من صراع مسلح دون إفصاح مناسب.
أما الباحثة المتخصصة بمعهد أكسفورد للإنترنت، مهسا عليمرداني، فذكرت أن "النظام الإيراني لديه تاريخ طويل في إخفاء الأدلة عندما يكون هو المسؤول عن الانتهاكات، لكنه في الوقت ذاته يستثمر خلال هذه الحرب بشكل مكثف في توثيق الخسائر المدنية".
وأوضحت أن "هذا التوثيق قد يُستخدم في الدعاية أو لخدمة سردية الدولة في الحرب، والمطلوب هو قدر صحي من الشك، لتفادي الوقوع في هذا الفخ"، معتبرة أن "التلاعب بالذكاء الاصطناعي، والتفنيد الزائف، وقطع الإنترنت، تجتمع معًا لتجعل من الصعب تحديد ما هو حقيقي، وما يترتب على ذلك من تداعيات تتعلق بالمساءلة".
"ساحة قتال موازية"
بدورها، أشارت الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن "إيران تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها ساحة قتال مباشرة، والهدف هو السيطرة على تدفق المعلومات بعد أي تبادل عسكري".
أوضحت توسكرمان أن"النظام الإيراني ينتج عبر الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من لقطات ضربات مفبركة، وصور أقمار صناعية معدلة، ومشاهد قتال مزيفة؛ لخلق واقع غير موجود وغير صحيح".
واعتبرت أن "السرعة عنصر محوري في هذه المنهجية، إذ غالبًا ما تُنشر المواد المفبركة خلال دقائق من وقوع الأحداث على الأرض، حيث تقوم قنوات تليغرام المرتبطة بشبكات إعلامية إيرانية بنشر النسخ الأولى، ثم تقوم حسابات على منصة إكس مرتبطة بشبكات أيديولوجية بتضخيمها"
وبحلول بدء عمليات التحقق، تكون المادة قد انتشرت بالفعل في آلاف المحادثات الخاصة وشبكات اللغات الإقليمية، وغالبًا ما يبقى الانطباع العاطفي الأول حتى بعد كشف التلاعب، وفق الخبيرة الأميركية.
ولفتت إلى أن"إيران تستخدم تضخيمًا منسقًا عبر حسابات آلية، وهذه الحسابات تبدو لمستخدمين عاديين في المنطقة تعيد نشر عناوين متطابقة خلال فترات زمنية قصيرة، والهدف الرئيسي هو خلق حالة من الارتباك لا الإقناع فقط".