مع اتساع رقعة التصعيد في المنطقة، تتكشف فجوة واسعة بين الشعارات التي ترفعها إيران بشأن مواجهة خصومها، وبين بنك الأهداف الفعلي الذي طالته صواريخها ومسيراتها خلال السنوات الماضية، خاصة في العالم العربي.

فبينما يعلن النظام الإيراني أن سلاحه موجه إلى "العدو البعيد"، تشير المعطيات والتقارير إلى أن محيطه العربي كان الهدف الأبرز لسياساته العسكرية والأمنية، سواء عبر هجمات مباشرة أو من خلال حروب الوكالة التي بدأتها طهران منذ عام 1979.

وكشفت تقارير صدرت خلال الأسبوع الأول من التصعيد أن عدد الصواريخ والمسيرات التي استهدفت دول الخليج يفوق بكثير تلك التي أطلقت باتجاه إسرائيل، وفق ما ذكره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.

ووفق هذه التقارير، بلغ عدد الصواريخ التي استهدفت الدول الخليجية مجتمعة ما بين 500 و600 صاروخ، مقابل نحو 200 صاروخ فقط باتجاه إسرائيل.

كما أطلقت إيران أو أذرعها ما بين 2000 و2500 طائرة مسيرة نحو دول الخليج، مقابل نحو 100 مسيرة فقط نحو إسرائيل.

ورغم اعتراض أكثر من 95 بالمئة من هذه المقذوفات، فإن شظاياها تسببت في سقوط ضحايا وإلحاق أضرار مادية.

أسلحة أميركية تختبر لأول مرة في الحرب ضد إيران

وتشير المعطيات إلى أن الأهداف التي طالتها هذه الهجمات لم تكن عسكرية فحسب، بل شملت مناطق مدنية ومطارات وفنادق وحقول نفط وموانئ، ما يعكس نمطا يؤكد أن إيران تسعى إلى زعزعة استقرار جوارها العربي أكثر من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أوالولايات المتحدة، خلافا لما تعلنه في خطابها السياسي.

,لا تقتصر هذه السياسة على الهجمات المباشرة، إذ سبقتها على مدى سنوات استراتيجية قائمة على إنشاء ودعم أذرع عسكرية داخل دول عربية، وهو ما يعد تدخلا مباشرا في سيادة تلك الدول.

ففي العراق، دعمت إيران فصائل مسلحة ومليشيات مرتبطة بها، وغالبا ما تتهم هذه الجماعات بتنفيذ أجندات إيرانية داخل البلاد.

كما وفرت طهران لها دعما ماليا وعسكريا، الأمر الذي أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي وإضعاف مؤسسات الدولة.

أما في اليمن، فقد زودت إيران جماعة الحوثي منذ عام 2014 بتقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة. واستخدمت هذه الأسلحة في استهداف منشآت حيوية ومدنية في دول خليجية، كما ساهمت في إرباك حركة الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وفي لبنان، سلحت إيران حزب الله منذ ثمانينيات القرن الماضي باعتباره أداة ضغط إقليمية تحت شعار مقاومة إسرائيل. غير أن هذا الدعم أدى إلى ازدواجية في السلاح داخل الدولة اللبنانية، ما أضعف مؤسساتها وأقحم البلاد في صراعات إقليمية متكررة.

سيناريوهات نهاية الحرب.. هل تستسلم إيران؟

وفي سوريا، تدخلت إيران عسكريا منذ عام 2011 عبر إرسال قوات من الحرس الثوري وفصائل مسلحة داعمة، إضافة إلى مشاركة حزب الله في القتال.

وأسهم هذا التدخل في إطالة أمد الصراع، الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف من السوريين وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتمتد دائرة التأثر بهذه السياسات إلى دول عربية عدة، من بينها لبنان وسوريا والعراق واليمن، إضافة إلى الأردن ودول الخليج مثل الكويت والبحرين والإمارات والسعودية وقطر وعمان.

وفي المحصلة، تكشف المعطيات عن فجوة كبيرة بين الخطاب الإيراني الذي يركز على مواجهة خصوم خارجيين، وبين بنك الأهداف الفعلي الذي طالته الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وكذلك تدخلاتها غير المباشرة في عدد من الدول العربية.

وتشير هذه الوقائع، بحسب مراقبين، إلى أن تداعيات السياسات الإيرانية في المنطقة لم تقتصر على المواجهات العسكرية فحسب، بل شملت أيضا زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في عدد من الدول العربية على مدى عقود.