كشفت مواقف الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال يومين عن اتساع التباينات داخل هرم السلطة في طهران، إذ أعقب اعتذاره من دول الجوار، استمرار الهجمات الإيرانية.

وعكس ذلك حالة من عدم الانسجام بين المسار السياسي والميدان العسكري، بما يوحي بوجود أجنحة متعددة داخل ما تبقى من النظام، في مرحلة شديدة الحساسية عقب مقتل المرشد علي خامنئي.

فالسبت، قدم بزشكيان اعتذاره عن هجمات بلاده على دول المنطقة، مضيفا أن "إيران لا تنوي الاعتداء على دول الجوار وكما قلت مرار فإنهم أشقاؤنا ونحن يجب أن نبسط الأمن والسلام في المنطقة يدا بيد".

وتابع: "آمل في عدم حصول هجمات صاروخية على الدول الجارة إلا إذا حصل هجوم ضد إيران انطلاقا من أراضي هذه الدول وذلك وفق القرار الذي اتخذناه يوم الجمعة خلال اجتماع مجلس القيادة وتم إبلاغ قواتنا المسلحة به".

لكنه الأحد ظهر مجددا ليقول إن تصريحاته "تم تحريفها من ‌قبل العدو الذي يسعى إلى ‌زرع ‌الفتنة مع الجيران"، وذلك بعد تفسيرها على أنها قرار ‌بتعليق الهجمات ‌على ⁠دول الخليج بينما لم تتوقف الضربات الجوية.

وأضاف: "قيل ⁠مرارا إننا ‌إخوة ويجب أن ⁠تكون علاقاتنا مع ⁠جيراننا طيبة. ومع ذلك، فإننا ⁠مضطرون للرد على الهجمات، لكن هذا لا يعني أن لدينا نزاعا مع دولة (مجاورة) أو أننا نريد ‌إثارة غضب شعبها".

ترامب: دمرنا 42 سفينة تابعة للبحرية الإيرانية خلال 3 أيام

بزشكيان كشف الحقيقة

ظهرت علامات على تصدعات في هرم القيادة الإيراني حول حرب يعتبرها قادة البلاد مسألة وجودية، مع تكشف انقسامات بين غلاة المحافظين والفصائل الأكثر براغماتية عقب خلافات حول تعهد بزشكيان، السبت، بعدم مهاجمة دول المنطقة.

وبقيت الانقسامات داخل النخبة الحاكمة في إيران مكبوتة ⁠لفترة طويلة في ظل القبضة الحديدية للمرشد علي خامنئي، لكن مقتله قبل أسبوع سمح لها بالظهور إلى العلن مع تزايد الضغط على طهران جرّاء الغارات الأميركية والإسرائيلية.

ويهدد القصف المستمر إيران بنحو شديد الخطورة، ودفع أتباعها الأكثر شراسة، الحرس الثوري، إلى الاضطلاع بدور أكبر في الاستراتيجية على الرغم من حملة القضاء على القيادات التي أسفرت عن مقتل كثير من كبار القادة.

وقالت مصادر مقرّبة من القيادة الإيرانية، متحدثة من داخل البلاد لرويترز، إن التوتر بدأ يظهر بين الشخصيات البارزة التي لا تزال على قيد الحياة بعد سلسلة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل عدد من القيادات.

غضب الحرس الثوري

وفي واحدة من أكثر الانتقادات صراحة لبزشكيان، وعلامة على الانقسام الداخلي، خاطب حميد رسائي، وهو مشرع ومن غلاة المحافظين، الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا: "موقفك غير احترافي وضعيف وغير مقبول".

وذكر مصدران رفيعا المستوى أن القيادة الإيرانية استغلت في بعض الأحيان الخلافات بين غلاة المحافظين ⁠والمعتدلين كوسيلة تكتيكية في المفاوضات مع الغرب، لكن الخلاف حول تصريح بزشكيان الأخير كشف عن انقسامات حقيقية.

وأفاد أحد غلاة المحافظين والمقرّبين من مكتب ⁠خامنئي، لرويترز بأن تعليقات بزشكيان أغضبت كثيرا من كبار القادة في الحرس الثوري.

وأشار مصدر إيراني كبير آخر، وهو مسؤول معتدل سابق، إلى أنه لا أحد سيكون قادرا على ملء مكان خامنئي، واصفا الزعيم الراحل بأنه استراتيجي بارز قاد إيران خلال كثير من الفترات ⁠الصعبة.

سكاي نيوز عربية ترصد الواقع الميداني والسياسي في الخليج

تأخر المرشد الجديد

وفي مؤشر على التوتر المتزايد في النظام، يعمل رجال ‌الدين على تسريع تعيين زعيم أعلى جديد، مع احتمال اتخاذ قرار الأحد على الرغم من أنه لم يتضح ما إذا كان خليفة خامنئي سيتمتع بسلطة كافية للقضاء على الخلافات بين الفصائل.

ومع النظر إلى نجل خامنئي، ‌مجتبى خامنئي، على أنه المرشح الأوفر حظا المدعوم من ‌الحرس الثوري ومكتب والده القوي، إلا أنه لم يختبر بعد، وهو أصغر من معظم كبار القادة في إيران، وقد أدى ذلك إلى نفور المعتدلين داخل النظام.

وقد يواجه المرشحون المحتملون الآخرون صعوبة في الحفاظ على الطاعة المطلقة للحرس الثوري اللازمة للحفاظ على الانضباط داخل النظام.

وخلال 36 عاما لخامنئي في السلطة، غالبا ما كان يستفيد من التوتر بين غلاة المحافظين والمعتدلين داخل النظام الحاكم، مع احتفاظه بالقول الفصل، ويسمح لهم بالتعبير عن خلافاتهم ما داموا يخضعون لسلطته.

وعقب وفاته، انتقلت القيادة رسميا إلى مجلس مؤقت وفقا للدستور يضم بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، ورجل دين آخر من مجلس صيانة الدستور.

ومع غياب شخصية تملك نفوذ خامنئي، تبدو الخلافات داخل النظام أكثر قابلية للظهور في مرحلة تتزايد فيها الضغوط العسكرية والسياسية على طهران.