عند حافة التوازن الدقيق بين الدبلوماسية واستعراض القوة، أُسدل الستار على الجولة الثالثة من المفاوضات الأميركية الإيرانية في جنيف بإعلان "تقدّم ملموس" على لسان وزير الخارجية العُماني، مع تحديد جولة فنية مرتقبة في فيينا ومشاورات داخلية متوازية.
غير أنّ هذا التطور الإجرائي يتقاطع مع مشهد أكثر تعقيداً: تأكيد إيراني بعدم إدراج نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج ضمن المقترحات، مقابل تسريبات عن خيبة أمل أميركية، وتحركات عسكرية إضافية باتجاه إسرائيل في إطار التحضير لضربة محتملة.
هنا تتبلور معادلة مزدوجة المسار: نافذة تفاهم تُفتح بصمت، في مقابل تصعيد يُحضّر علناً.
وبين تشدد المطالب الأميركية وتمسك طهران بثوابتها، تقف جنيف أمام اختبار حاسم.
فهل يتحول "التقدّم الملموس" إلى اختراق فعلي يجمّد الانزلاق، أم أن التعثر التكتيكي قد يشعل شرارة مواجهة تبدو أقرب من أي وقت مضى؟
واشنطن وطهران على صفيح ساخن
ويؤكد مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، رمضان أبو جزر، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أن الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران ما زالت على وشك الانفجار، مع توقعات شبه مؤكدة لتوجيه ضربة أميركية وشيكة للنظام الإيراني، في ظل مفاوضات غير متوازنة وتشابك ملفات إقليمية عدة.
وأوضح أبو جزر أن الولايات المتحدة تفاوض إيران تحت ضغط شديد، مع رفض أي تفاوض على إخراج اليورانيوم المخصب أو الاتفاق على المدد الزمنية التي تتيح لطهران استئناف التخصيب، مؤكدًا أن الملف الصاروخي الإيراني لم يُناقش جدياً من قبل إيران، رغم كونه مطلباً أمريكياً واضحاً.
وأشار إلى أن الجولة القادمة في فيينا قد تشهد ضربة أميركية أثناء وجود المفاوضين، معتبرًا أن سلوك الجانب الأميركي يعكس استهانة وعدم جدية، لا سيما بعد أن غادر الوفد الأميركي جلسة التفاوض بعد 3 ساعات للانشغال بملف أوكرانيا، مما يطرح تساؤلات بشأن اختصاصية الطاقم وقدرته على إدارة الملف الإيراني بتركيز كامل.
الضغوط الاقتصادية والتنازلات الإيرانية
وحول الرهانات الإيرانية، أكد أبو جزر أن طهران قد تلجأ إلى تقديم التنازلات الاقتصادية والديبلوماسية لتفادي الضربة، بما في ذلك منح صفقات اقتصادية للولايات المتحدة أو حتى التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعكس تحولًا في السياسة الإيرانية بعيداً عن شعار "الموت لأميركا" و"تصدير الثورة الإسلامية".
لكنه شدد على أن هذه الخطوة لا تعكس ضعف إيران الداخلي فقط، بل تشير إلى خوف النظام من الضربة الأميركية الوشيكة واستنزاف الوقت من قبل واشنطن لتوجيه رسائل إقليمية ودولية.
وأشار أبو جزر إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه ضغوطاً سياسية داخلية حادة، وأن الضربة ضد إيران تعد بمثابة مخرج لتعزيز موقعه السياسي، مشيرًا إلى أن عنصر الوقت سيكون حاسماً لضمان قسوة الضربة ونجاح أهدافها.
وأوضح أن الولايات المتحدة تملك القدرة على توجيه ضربة قوية دون الحاجة لعامل المفاجأة، مع إبراز القوة العسكرية الغاشمة ووسائل التطويع المتعددة في المنطقة وخارجها، بما في ذلك عمليات استنزاف القوى الأوروبية وتطويع دول أميركا اللاتينية وغرينلاند.
التوازن الدولي
ونبه أبو جزر إلى أن إيران تواجه موقفًا دوليًا معزولًا، حيث لم تُبدِ روسيا أو الصين أي اعتراض فعلي على السياسة الأمريكية تجاه طهران، في إشارة إلى أن السيناريو الأميركي هو الوحيد القائم على الطاولة، وأن إيران تواجه وحيدة القوة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، في ظل استعداد واشنطن لتوجيه ضربة عسكرية ليست لتغيير النظام، بل لتطويع المنطقة كلها.
وخلص رمضان أبو جزر إلى أن نهاية مسار المفاوضات مع إيران تقود حتمًا إلى ضربة عسكرية، وأن الولايات المتحدة استطاعت خلال الأشهر الماضية استنزاف إيران عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا دون أن ينجح النظام الإيراني في الرد أو الردع.
وأكد أن الضربة الأميركية القادمة ستوجه رسائل قوية لدول المنطقة، وستثبت قدرة واشنطن على فرض سياساتها الإقليمية، مع تأكيده أن إيران لم تعد تملك ما تقدمه سوى الاستسلام، ما يجعل الصراع على أشده والفجوة بين الطرفين تتسع نحو مواجهة مباشرة وشيكة.
تباعد المطالب وقيود الصواريخ الباليستية
من جهتها أكدت دانيا قليلات الخطيب، مديرة مركز التعاون وبناء السلام للدراسات، أن الفجوة بين المواقف الأميركية والإيرانية كبيرة، مشيرة إلى أن واشنطن تضع شروطًا صارمة جدًا، لا تقتصر على البرنامج النووي فحسب، بل تشمل أيضًا الصواريخ الباليستية، التي تعتبرها إيران أداة ردع أساسية لن تتخلى عنها بأي شكل.
وأوضحت الخطيب أن الموضوع ليس مطروحًا حاليًا على جدول المفاوضات، إلا أن شروط النووي نفسها تمثل تحديًا كبيرًا، لا يمكن تصور قبول طهران لها بالكامل.
وتطرقت الخطيب إلى الحسابات السياسية الأميركية، مشيرة إلى أن ترامب آنذاك يتأرجح بين خيار الضرب وعدم الضرب، وسط ضغط من اللوبي الإسرائيلي، مقابل رفض شعبي واسع للاتجاه نحو الحرب، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 80 بالمئة من الأميركيين لا يؤيدون أي تصعيد عسكري ضد إيران، مقارنةً بتأييد مماثل للضرب أثناء حرب الخليج الثانية.
وأضافت الخطيب أن الانتخابات المرتقبة في نوفمبر تشكل عاملاً محوريًا في صياغة القرار، فالتخلي عن وعد بعدم الدخول في حرب قد يؤثر سلبًا على فرص إعادة انتخابه وحزب الجمهوريين.
فعالية الضربات العسكرية
ورأت الخطيب أن الضربات العسكرية لا تمثل حلاً مستدامًا، مستعرضةً تجارب سابقة على الأقل خلال السنة الماضية، حين قيل إن كل قدرات إيران النووية تم تدميرها، لتعود إيران بسرعة لإعادة بناء قدراتها.
وأشارت إلى أن الاعتماد الإيراني على وكلاء محدود الفاعلية تحول الآن أكثر نحو الدعم الروسي والصيني، بما في ذلك التحكم في الشبكة والإنترنت، ما يعقد أي محاولة لضرب طهران بشكل فعال.
وأوضحت أن أي ضربة قد تدفع إيران إلى تعديل دستورها للسماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية، وهو ما لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة.
وشددت الخطيب على أن الحل الفعلي يتمثل في وجود مفتشين على الأرض، وصفقة واضحة وعادلة يمكن أن تقبلها إيران، وليس من خلال الضربات العشوائية.
وأكدت أن الضربات وحدها لن تحل المشكلة، بل ستقود إلى المواجهة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق واقعي يُرضي الطرف الإيراني.
كما أشارت الخطيب إلى أن أي محاولة لتغيير النظام الإيراني ستكون مشكلة كبيرة، إذ لا توجد معارضة داخلية قوية يمكن أن تحل محل النظام الحالي، وأن الضغوط الأميركية عبر الدول الوسيطة مثل السعودية وقطر وعُمان وتركيا تهدف إلى منع حدوث ضربات قد تؤدي إلى انهيار النظام أو تغييره، ما قد يفتح الباب لفوضى سياسية وأمنية غير محسوبة.
تكتيك التفاوض الأميركي
وأكدت الخطيب أن أسلوب التفاوض الأميركي وفق فلسفة "فن الصفقة" يتمثل في رفع المطالب في البداية ثم التنازل تدريجيًا، وهو ما قد يجعل التوصل لاتفاق ممكنًا إذا تم التعامل مع المفاوضات بشكل واقعي، مع التمسك بالشروط المعقولة لتجنب المواجهة المباشرة.
من جانبه، قال توم حرب، مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار إن إيران تعتمد سياسة المماطلة في أي مفاوضات حالية لأسباب عدة، أبرزها الحفاظ على وجود الأساطيل الأميركية في المنطقة لفترات محددة تتراوح بين 5 و6 أشهر، قبل إعادة هذه القوات إلى قواعدها الأصلية.
وأوضح حرب أن الهدف من هذه المراوغة يكمن في كسب الوقت، في ظل الضغوط المتزايدة على الرئيس الأميركي من قبل المشرعين في الولايات المتحدة والحزب الديمقراطي، وليس من اللوبي الإسرائيلي كما يعتقد البعض.
النظام الثيوقراطي: خياران لا ثالث لهما
وأكد حرب أن النظام الإيراني، بوصفه ثيوقراطيًا، يواجه خيارين أساسيين في التعامل مع الشروط الأميركية: إما الاستجابة للشروط القاسية للرئيس ترامب، ما سيؤدي إلى تهدئة الداخل الإيراني، أو رفضها، ما يعني انتحارًا محتومًا للنظام، نظرًا لتفضيله الموت على التنازل.
وأشار إلى أن هذه السياسة تظهر تجاهل النظام لحياة الأبرياء الذين قد يسقطون نتيجة الضربات العسكرية المحتملة، موضحًا أن إيران تستهين بالموقف الأميركي وتعتبره مجرد ديبلوماسية شكلية لا أكثر.
ووصف حرب الخطاب الأميركي الأخير بأنه يهدف إلى إعداد الرأي العام الأميركي لمواجهة الملف الإيراني، معتبراً أن الأساطيل والحشود العسكرية المتمركزة في المنطقة تمثل جزءًا من استراتيجية الضغط لفرض صفقة تجارية وإجبار إيران على الاستجابة للشروط الأميركية بعد انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018.
ولفت حرب إلى أن الإدارة الأميركية تعتبر أن المفاوضات مع إيران لم تحقق أي تقدم ملموس، وأن التركيز على الاجتماعات في جنيف لا يعكس جدية من جانب الإيرانيين، الذين تواصلوا أكثر مع الروس بخصوص أوكرانيا.
وأضاف أن النظام الإيراني خلال السنوات الماضية مارس سياسات توسعية في المنطقة العربية، منها السيطرة على 4 عواصم عربية، وتنفيذ عمليات ضد القوات الأميركية واللبنانية، وتمويل الحوثيين لصواريخ تهدد البحر الأحمر وإسرائيل. ورأى حرب أن هذه الممارسات تساهم في تحجيم أي تأثير للمفاوضات على واقع القوة الإيرانية، مؤكداً أن الضغوط الأميركية الحالية تهدف أيضًا إلى تهيئة الانتقال السياسي بطريقة منظمة، بعيدًا عن ما يراه النظام الإيراني.
قيود على النظام الإيراني
شدد حرب على أن العقوبات المستمرة على إيران لم تؤدِّ بعد إلى تغيير جذري في سلوك النظام، مشيرًا إلى أن الشركات الأجنبية انسحبت من إيران نتيجة هذه العقوبات، فيما استمرت القيود الاقتصادية بفرض ضغط مستمر على النظام.
كما تناول حرب دور "فتوى التقية" الصادرة عن المرشد الإيراني، واصفًا إياها بأنها محاولة للنظام لتجاوز المرحلة الراهنة بأمان وسلام، دون مواجهة مباشرة مع الضغوط الداخلية والخارجية.
وأكد أن الموقف الأميركي الحالي، بما في ذلك موقف الكونغرس من الجمهوريين والديمقراطيين، متفق على ضرورة استخدام القوة العسكرية لتغيير سلوك النظام، لكن مع التركيز على الانتقال السلمي للسلطة وليس الإطاحة الفورية بالمرشد أو المؤسسات الإيرانية.
الرؤية الأمريكية للمستقبل الإقليمي
وخلص حرب إلى أن الولايات المتحدة تسعى لضمان نقل السلطة في إيران بطريقة منظمة، موازنة بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية، بحيث تمنع انهيار النظام بشكل مفاجئ قد يهدد الأمن الإقليمي.
وأكد أن الإدارة الأميركية ترى أن أي إدارة مستقبلية ستواجه نفس التحديات إذا لم يتم التعامل مع النظام الإيراني بشكل استراتيجي ومنهجي، مشيرًا إلى أهمية وعي العالم العربي بالدور الذي يلعبه النظام الإيراني في تهديد الاستقرار الإقليمي، وعدم اختزاله في مجرد مصالح إسرائيلية كما يُصوَّر أحيانًا.
من جهته أكد محمد غروي، مدير مركز الجيل الجديد للإعلام، أن الأجواء على طاولة المفاوضات النووية تبدو إيجابية من الجانب الإيراني، معبراً عن جدية بلاده في تحقيق رفع العقوبات والوصول إلى نتائج ملموسة.
وقال غروي: "أعتقد بأن الأجواء من جانبنا إيجابية… نحن جديون ونريد رفع العقوبات وأن نصل إلى نتائج إيجابية".
في المقابل، أشار إلى أن الموقف الأميركي يبقى محكوماً بعوامل داخلية وإقليمية، حيث يطرح الجانب الأميركي مطالب إعلامية تختلف عما يُعرض على طاولة المفاوضات: "ما يقوله الأميركي على الإعلام شيء… وما يقوله على طاولة المفاوضات شيء آخر".
ويضيف: "الولايات المتحدة لا تريد حرباً، وهي لا تستطيع أن تتحمل نتائجها على المنطقة برمتها، لكنها تمارس الضغط لكسب تنازلات من الجانب الإيراني".
تسوية سياسية ومرحلة تقنية
أوضح غروي أن الجانب الإيراني نجح في معالجة معظم القضايا السياسية، ما يترك المجال للتفاوض على الجوانب التقنية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأضاف: "اليوم بمجرد أن الأميركي قبل أن يذهب إلى الأسبوع القادم بمفاوضات تقنية… إنما أكثرية المجال السياسي أو النقاط السياسية قد حلت… وبقي الموضوع التقني لنرى ماذا سيقول التقنيون من الطرفين".
كما حذر من التدخل الإسرائيلي في سير المفاوضات، مؤكداً أن "الشيطان في التفاصيل هو الإسرائيلي… يريد أن يضع العصيف في دواليب المفاوضات… لأن هذه المفاوضات غير مناسبة لتطلعات الإسرائيليين للمنطقة".
وركز غروي على دور الحوافز الاقتصادية التي قدمتها إيران، معتبرًا أنها عامل جذب للجانب الأميركي: "الإيراني قدم لألويات المتحدة الكثير من الاستثمارات… بالإضافة إلى ملف النفط وعروض شراء أكثر من 100 طائرة مدنية… وهذه قيمتها بالمليارات".
وأضاف أن هذه الحوافز تتوافق مع عقلية الرئيس الأميركي ترامب الاقتصادية، ما يجعل من الصعب رفض المقترحات الإيرانية.
وأكد غروي أن إيران لم تقدم التنازلات التي يروج لها الإعلام، معتبراً أن المفاوضات الحقيقية على الطاولة تختلف عن الصورة التي تبثها وسائل الإعلام: "لم تقدم إيران التنازلات التي يطلبها الأميركي على الأقل في الإعلام… على طاولة المفاوضات لا نسمع كل هذا الكلام… ويؤكد الأميركي على هذا الاختلاف لأنه يرى بعين الحقيقة".
وأضاف أن الخبراء ومستشارو الرئيس الأميركي أكدوا له أن إيران ليست "لقمة سائغة" وأن التهديدات لن تؤدي إلى تنازلات، مضيفاً: "في الموضوع النووي نحن كما في 2015، مستعدون لطمأنه شركائنا في المنطقة بأننا لا نتجه نحو سلاح نووي".
غروي شدد على أن الهدف النهائي هو الوصول إلى اتفاق يحقق مصلحة جميع الأطراف دون هزيمة لأي طرف: "إذا وصلنا إلى اتفاق… الأميركي سيظهر بمظهر المنتصر والإيراني كذلك… علينا أن نصل إلى اتفاق رابح–رابح… ليس الاستسلام هو الحل".
وأشار إلى أن الفتوى التي أصدرها الإمام الخامنئي قبل أكثر من 30 عاماً تشكل الضمانة الأساسية لمنع إيران من التوجه نحو السلاح النووي: "حتى الآن ما يمنعنا من الذهاب إلى السلاح النووي ليس الرئيس الأميركي ولا أي شيء آخر… إنما الفتوى التي يعرفها الإمام الخامنئي ونحن ملتزمون بها".