في ظل تصاعد التوتر الإقليمي وتكاثر المؤشرات العسكرية والدبلوماسية على حد سواء، تتقاطع تصريحات متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لتكرّس حالة من القلق والترقّب أكثر مما توحي باقتراب مواجهة حتمية.

وبين حديث عن ضربة أميركية محتملة، وإشارات إلى انفتاح تفاوضي تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتحذيرات إيرانية من انزلاق المنطقة إلى صراع واسع، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة هذه الرسائل: هل تعبّر عن استعداد فعلي للحرب، أم أنها أدوات ضغط ضمن إدارة أزمة مفتوحة؟

في هذا السياق، قدّم خبير الشؤون الإيرانية فراس إلياس، خلال حديثه إلى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، قراءة تحليلية ركّزت حصراً على مضمون هذه التصريحات المتناقضة ومساراتها العسكرية والسياسية وانعكاساتها الإقليمية.

إيران.. ترقب لهجوم أميركي وتحذيرات من تداعياته

حرب تصريحات لا حرب ميدان

يرى إلياس أن المواجهة العسكرية المباشرة لم تبدأ بعد، غير أن "حرب التصريحات والتنظير" ما زالت محتدمة بين طهران وواشنطن.

ويشير إلى أن التضليل والتناقض في الخطاب يظهران لدى الطرفين، ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحفّظات واستعدادات عسكرية أميركية متزايدة، تبرز في المقابل نبرة تفاؤل محدودة من الإدارة الأميركية، عكستها تصريحات ترامب بشأن مسار دبلوماسي قد يفتح الباب أمام صفقة تؤجل الخيار العسكري لأطول فترة ممكنة.

ويوازي هذا التباين ما صدر عن طهران نفسها، إذ لفت إلياس إلى تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بشأن بناء "هيكل تفاوضي جديد" مع واشنطن، قبل أن تتبعها مواقف مغايرة للمرشد علي خامنئي توحي باستعداد أكبر للمضي نحو خيار الحرب، بغض النظر عن نتائج أي حوارات مباشرة أو غير مباشرة.

مسؤولون أميركيون يكشفون 3 خيارات أمام ترامب للتعامل مع إيران

التمويه والمناورات ضمن إدارة الأزمة

من منظور عسكري، يدرج إلياس هذه التحركات ضمن ما يُعرف بـ"مناورات الاقتراب غير المباشر" أو التمويه، بوصفها جزءاً من خارطة العمليات لدى الطرفين.

ويلاحظ أن الانتشار العسكري الأميركي والاستعدادات الإيرانية يوحيان بإمكان تصاعد ميداني، إلا أن تغييرات تكتيكية لدى واشنطن، كإعادة نشر القوات أو إخلاء مواقع، تقابلها إشارات إيرانية تتحدث عن أن أي صراع مقبل قد يكون إقليمياً لا ثنائياً فحسب.

ويخلص إلى أن ثمة استراتيجية عامة لإدارة الأزمة، تتخللها مناورات متبادلة هدفها إيجاد حالة عدم يقين لدى الخصم، وسحب زخم المواجهة، وفتح هامش أوسع للمسار السياسي.

وبرأيه، يرجّح الطرفان هذا المسار لكونه الأقل كلفة قياساً بالتداعيات المحتملة لأي خيار عسكري.

واشنطن وطهران.. بين الدبلوماسية والحرب

حلفاء إيران وتوزيع الأدوار

يتوقف إلياس عند أدوار حلفاء طهران في الإقليم، مستحضراً ما جرى خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، حيث يرى أن الحوثيين أدوا أدواراً تشغيلية في اليمن، وحزب الله أدواراً استنزافية في لبنان، فيما اضطلعت فصائل عراقية بمهام لوجستية وإشغالية.

ومع ذلك، يشدد على أنه لا يلمس استراتيجية موحدة واضحة تحكم تحركات هؤلاء الحلفاء ضمن هدف عسكري واحد.

ويضيف أن هذا المشهد قد يتغير فقط إذا وصل النظام الإيراني إلى ما يعتبره "لحظة تهديد وجودي"، وهو أمر لا يرى أنه تحقق حتى الآن، إذ يعتقد أن طهران لا تزال تعتبر أن أقصى ما قد تسعى إليه إدارة ترامب هو إضعاف النظام وتدمير مرتكزات قوته، لا إسقاطه مباشرة، وهو ما يمنحها هامش مناورة بين التصعيد والتلويح بالعودة إلى طاولة المفاوضات ضمن شروط "محترمة"، على حد تعبير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

واشنطن وطهران.. رسائل السلام وطبول الحرب

3 مسارات خليجية وعربية

يفرد إلياس مساحة واسعة لقراءة مواقف دول الخليج والمنطقة العربية، محدداً 3 مسارات رئيسية. الأول يتمثل فيما وصفه "نضجاً إقليمياً" يعكس إدراكاً لحجم التداعيات الكارثية لأي اصطدام عسكري أميركي إيراني، وهو ما تجسد في زخم دبلوماسي هدفه تهذيب الخيار العسكري الأميركي.

أما المسار الثاني فيتصل بقناعة خليجية بأن التهديد الأكبر قد لا يصدر من إيران مباشرة، بل من حلفائها الذين يفتقرون، وفق تقييمه، إلى قابلية الضبط نفسها، ما يرفع هامش الخطأ ويزيد مخاطر توسّع الصراع واستهداف مصالح دول المنطقة.

وفي المسار الثالث، يؤكد إلياس أن دول الخليج تطالب بموقف أميركي واضح يحيّد المنطقة عن تداعيات أي ضربة محتملة، محذراً من أن غياب ضمانات بعدم انتقال المواجهة إلى استهداف مصالح إقليمية قد يفضي إلى "كارثة كبيرة"، تشمل أضراراً اقتصادية واجتماعية، واحتمالات نزوح من داخل إيران، وتشظي الصراع عبر أطراف غير منضبطة.

أخبار ذات صلة

عراقجي: مستعدون لاتفاق "لا أسلحة نووية.. لا عقوبات"
أردوغان يهاتف بزشكيان بشأن أزمة إيران وأميركا

طبيعة الضربة المحتملة وأهدافها

وأشار إلياس خلال تحليله بالحديث عن فرضية الضربة الأميركية في حال اتخاذ قرار بتنفيذها، مرجحاً ألا تكون موجهة لإسقاط النظام مباشرة، بل لإضعافه عبر استهداف البنية التحتية ومنشآت النفط ومقدرات القوة، على نحو يشبه، جزئياً، نموذج حرب الخليج عام 1991. وبرأيه، قد تراهن واشنطن على أن يؤدي هذا السيناريو إلى تحريك الداخل الإيراني وتحفيز أدوات التغيير، في إطار ما يصفه بمحاولة إحداث تحول "قليل الكلفة وكبير الأهداف" بالنسبة لإدارة ترامب في مشهد شرق أوسطي بالغ التعقيد.