تعود منطقة الساحل الإفريقي إلى صدارة الاهتمام الأمني الدولي، في ظل تصاعد المخاوف من تمدد التنظيمات الإرهابية عبر حدود رخوة وهشاشة أمنية مزمنة، مما يجعل هذه الرقعة الجغرافية واحدة من أكثر بؤر التهديد تعقيدا في إفريقيا.
وتأتي المخاوف بعد إعلان القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) تنفيذ ضربات داخل نيجيريا، استهدفت مسلحين من تنظيم "داعش" ينشطون عبر الحدود مع النيجر، في مؤشر على طبيعة التهديد العابر للحدود الذي تواجهه دول الساحل.
وقال نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا جون برينان، إن "الأهداف كانت مناطق تستخدمها جميع الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل قواعد انطلاق"، موضحا أن "أكثر المعلومات التي تلقيناها من النيجريين تشير إلى أنها تابعة لتنظيم داعش في غرب إفريقيا، وقد حددنا هذه الأهداف بالتنسيق معهم وبناء على طلبهم".
وعلى خارطة النفوذ، تنشط التحركات الإرهابية بين تنظيمين رئيسيين يتنافسان على الأرض، الأول جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي تتركز بشكل أساسي وسط وشمالي مالي، مع امتداد حضورها نحو شمال بوركينا فاسو وأجزاء من غرب النيجر المحاذية للحدود المالية، مستفيدة من الفراغ الأمني وصعوبة ضبط الحدود.
في المقابل، يتركز نشاط "داعش" في منطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع حضور أقوى في شمال شرق نيجيريا، خصوصا في محيط بحيرة تشاد.
وتستند قدرات هذه التنظيمات، وفق تقديرات غربية، إلى اقتصاد محلي قائم على الجبايات والتهريب والسيطرة على بعض الموارد الطبيعية، مما يوفر لها مصادر تمويل مستدامة.
وبعد الانسحاب الأميركي من النيجر عام 2024، تبدو المقاربة الأميركية بشأن الأمن في منطقة الساحل والصحراء متجهة نحو نمط مختلف، يقوم على استراتيجية الشراكات الإقليمية والضربات المحدودة والدعم الاستخباراتي، إضافة إلى تعاون محدود مع بوركينا فاسو ومالي، في محاولة لاحتواء التهديد ومنع تحول الساحل إلى ملاذ مفتوح للتنظيمات الإرهابية.
وفي حديث لـ"سكاي نيوز عربية"، قال الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية إدريس الكنبوري إن "الوجود الأميركي اليوم يريد أن يخلف الوجود الفرنسي"، مذكرا بأن باريس انسحبت من عدد من بلدان غرب إفريقيا التي كانت لديها معها شراكات استراتيجية في محاربة الإرهاب منذ تدخلها في مالي عام 2012.
وأضاف الكنبوري أن الولايات المتحدة تسعى إلى موطئ قدم في إفريقيا، ليس فقط لمواجهة الإرهاب بل أيضا لمواجهة التواجد الروسي، مشيرا إلى "حضور موسكو عبر شركة فاغنر وما يسمى الفيالق الإفريقية"، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، "صراعا دوليا داخل إفريقيا بين القوتين الرئيسيتين، واشنطن وموسكو".
ويرى الكنبوري أن السؤال الأساسي يتمثل في مدى قدرة واشنطن على تقديم مساعدات نوعية "لم تستطع أوروبا ولا فرنسا تقديمها"، وعلى منافسة روسيا التي "أظهرت فشلها حتى الآن في مواجهة هذه التهديدات الإرهابية".
وأكد أن الساحل "منطقة دقيقة جدا جغرافيا ومعقدة اجتماعيا"، مشيرا إلى أن مقاربة الدول الغربية غالبا ما "لا تتفهم تعدد الإثنيات والعرقيات والطوائف الدينية، ولا طبيعة المجتمعات القروية والبدوية والاقتصاد غير المهيكل، الذي يشكل نسبة كبيرة من الدخل المحلي".
وأوضح أن الجماعات الإرهابية تستفيد من غياب الدولة المركزية في الهوامش، وتعمل على "خلق نوع من الدولة الموازية"، من خلال فرض الضرائب والإتاوات والسيطرة على أنشطة التهريب وسرقة المواشي، مما يجعلها منخرطة بشكل مباشر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي.
وشدد الكنبوري على أن المدخل الأساسي لمواجهة الإرهاب لا يقتصر على الضربات العسكرية، بل يبدأ بـ"محاربة الهشاشة السياسية والاقتصادية والفوارق الاجتماعية، وتمديد شبكات الطرق ودمج القرى في دورة التنمية، لأن غياب التنمية يوفر بيئة خصبة لتمدد الجماعات المتطرفة".
كما لفت إلى أن مشكلة الحدود البينية بين دول الساحل تمثل عاملا رئيسيا في تعقيد المواجهة، إذ "يتعامل كل بلد كما لو أن الإرهاب يهدده بمفرده، في حين أن الواقع يؤكد أن الأمن في أي دولة مرتبط مباشرة بجيرانها، كما حدث في نيجيريا مع تسلل مسلحين من بوركينا فاسو والنيجر".
وحذر الكنبوري من سيناريو تكرار تجربة الرفض الشعبي للتدخل الأجنبي، كما حدث سابقا مع الوجود الفرنسي، مشيرا إلى أن بعض الاحتجاجات بدأت تظهر حتى ضد التدخل الأميركي، ما قد يوفر للتنظيمات الإرهابية فرصة لاستثمار النزعات الهوياتية والاحتقان المحلي.
وختم حديثه بالتأكيد على أن "الضربات العسكرية وحدها لا يمكن أن تقضي على الإرهاب"، داعيا إلى مشروع تنموي طويل الأمد، رغم كلفته وصعوبته، محذرا من أن غياب هذا البعد قد يجعل منطقة الساحل "أفغانستان جديدة" على مشارف أوروبا، مع ما يحمله ذلك من تداعيات أمنية إقليمية ودولية.