أبوظبي - سكاي نيوز عربية

إلى إريتريا، تلك الدولة المميزة والغامضة والواقعة شرقي القارة السمراء، سافر مراسل سكاي نيوز عربية، في رحلة تزامنت مع تطورات سياسية تاريخية، ومشاهدات تنفل لنا أحوال بلد فريد من نوعه.

"في مكتب السيد إيمانويل مسؤول العلاقات العامة بوازرة الإعلام الإريترية، كانت شهيتي المهنية مفتوحة جدا، طلبت أشياء كثيرة وكأنني لم أعمل منذ زمن.

من خلف حاسوبه كان يدون طلباتي، ووجه الرجل كان خاليا من أي تعابير كأرض ملساء.

"نحتاج لبطاقات هاتف من أجل التواصل".. كان أحد طلباتي، فرفع عينيه عن قائمة الطلبات ومد ذراعه نحو الهاتف. تحدث لثوان، لا أعرف حتى اللحظة ماذا قال فيها أو مع من؟

من بين شفاه مبتسمة، قال إيمانويل بعد أن وضع سماعة الهاتف : "سوف نذهب لمقابلة السيد وزير الإعلام يمكنك أن تطلب منه ما تشاء".

لابد أن طلبي غير متوفر على قائمة المسموح به، أو أنه أكبر من صلاحياته.

غادر المكتب فوجدتها فرصة سانحة لجولة بصرية في المكان، لأنه لا يتسع لأكثر من ذلك. وقعت عيناي في عيني الزميل حسن المصور الذي كان يرافقني وألفيت فيهما تساؤلات أكثر من التي لدي.

سحر القهوة الإثيوبية

في محاولة مني لمنحه ما يعينه على فهم ما يحدث، أخبرت زميلي ببعض ما يقال عن إريتريا، فقد تناهي لسمعي ما يردده البعض عن أنها "دولة بوليسية" وأن الدولة لا تنام قبل أن تكون قد أحصت أنفاس الشعب طيلة اليوم، وأخبرته أيضا أن علينا أن نخبرهم أن معنا هاتفا فضائيا قبل أن يكتشفوا هم ذلك، طالما أن بطاقة الهاتف بحاجة لموافقة وزير، بينما تباع على قارعة الطريق في كثير من دول العالم.

غاب إيمانويل لدقائق مرت كساعات، عاد بعدها ليخبرنا أن الوزير سوف يلتقي بنا بعد قرابة ساعة.

لم أتردد في طلب أذنه بالسماح لنا بالانتظار في المقهى الذي كانت تنبعث منه رائحة قهوة حبشية أعرفها جيدا. فقد كنت ومن معي بحاجة لما ينعش العقل، القهوة بالنسبة لي ولصحفيين كثر بمثابة مداد لكتابة الأفكار في الذاكرة.

عدم الإجابة السريعة لطلب بطاقة الهاتف عزز فكرة "السقف المنخفض" للحريات في هذا البلد.

أكملت فنجان القهوة الذي لم يخيب ظني في جودة "البن الحبشي" أو يغير قناعاتي بأن نساء إريتريا وإثيوبيا هن أفضل من يصنع القهوة.

انطلقت لمقابلة الوزير وأنا مستعد لكل الاحتمالات، كانت هيئة الرجل في الحقيقة تختلف عنها على مواقع التواصل الاجتماعي.

استقبلنا حتى حسبت أنني أكثر من مجرد إعلامي اقتحم خصوصية هذا البلد، فقد كان الوزير يعرف كل شيء عنا وعن طبيعة المهمة التي نحن بصددها.

وخلال الحديث اكتشفت أنني لست الوحيد الذي له مطالب، فهو أيضا لم يخف ضعف الإمكانيات المتوفرة لديهم في محطة تلفزيونهم، وسأل عن إمكانية أن نبث اللقاء الرسمي بين الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الأثيوبي مباشرة.

أخبرته أننا قادرون على ذلك، لكننا للأسف عاجزون عن منحه صورة مباشرة لأسباب تقنية، ولم يغير ردي شيئا في حماسته لتمكيننا من كل ما نريد.

الشيء الوحيد الذي قام بترحيله إلى غيره كان طلب الحصول على بطاقة للهاتف، ويبدو أننا لن نحوزها.. هكذا همست لزميلي المصور.

وبينما كنا نترك وزارة الإعلام خلفنا كانت الشوارع تزدحم باللافتات المرحبة بضيف البلد، فثمة لافتة ضخمة تحتوي عبارات" ترحيب حار بالأخ آبي".

أعلام إثيوبيا لم تشاهد في أرض إرتيرية بهذا العدد إلا أيام الحرب، أو في مثلث بادمي محل الصراع على الحدود بين البلدين، لكن ما أن يصل "الأخ" كما تقول اللافتات في الشوارع لن يبقى لإثيوبيا علم في ذلك المثلث ناهيك عن جندي.

لكن في لحظة وجدت سؤالا يقفز إلى ذهني، هل كان عامة الناس يحتفظون بكل هذه الأعلام؟ لابد أن امتلاك واحد خلال السنوات الماضية كان جريمة تستوجب عقابا رادعا.

الجواب كان يوم وصول رئيس وزراء إثيوبيا، الدولة الإريترية بدت حريصة على أن ترحب بضيفها بطريقة مختلفة، فالعاصمة أسمرا خرجت عن بكرة أبيها إلى الشوارع. فلكل واحد من هؤلاء قصة شوق مكتوم لأخ أو صديق على الجانب الآخر من الحدود.

"معجزة بطاقة الهاتف"

على وقع موكب آبي أحمد غادرنا المطار باتجاه وسط مدينة أسمرا، لكن سرعان ما فقدنا أثره، والشوارع المحتشدة ابتلعت موكب السيارات الطويل عن آخره، لذا اضطررنا مكرهين لسلك طرق جانبية حتى نصل إلى القصر الرئاسي كما أنني لم أعد بحاجة لرؤية المزيد فالصورة كانت قد باتت واضحة.

وبما أن الشارع لا يكذب أبدا والساسة لا يصدقون دوما، تركت كل ما شاهدت أمام أبواب القصر الرئاسي. لأن القادم يحتاج مساحة أكبر في ذاكرتي وذاكرة الكاميرا التي نحملها.

الحراسة لم تكون مشددة، بطاقة لا اسم لنا عليها أو صورة، فقط علم إريتريا وإثيوبيا وبينهما " رئاسة حكومة إريتريا وكلمات من السيد أيمانويل من نافذة السيارة فتحت أمامنا الأبواب الموصدة. كنا أول الواصلين وقفنا على بعد خطوات قليلة من المدخل الداخلي للقصر .

موقع كان مستحيلا الوقوف فيه في مناسبة أخرى، وواضح أن الجميع أراد أن تكون صورة الحدث من أقرب نقطة ممكنة. كانت "سكاي نيوز عربية" الوحيدة بجانب القنوات التلفزيونية الرسمية التي تشهد العالم على هذه اللحظات التاريخية.

دخل أفورقي وضيفه إلى القاعة وقتها كنت أصف المشهد على الهواء مباشرة، اقترب مني شخص، همس لي أن الرئيس أسياسي أفورقي يريد "سكاي نيوز عربية" أن تصور من الداخل. ولم استغرب حديثة لأنني سمعت من آخرين أن الرجل يسمع دبيب النمل.

لم يمكث الرجلان كثيرا داخل القاعة، خرجا رفقة وزرائها إلى الفناء الخارجي، جلسوا على مقاعد ليست وثيرة، والجميع يفهم لغة الآخر.. فقط أنا وزميلي المصور كنا مثل "الطرشان في وسط الزفة".

كنت أرقب المشهد بدقة حتى كادت أذني أن تلتصق بالطاولة التي تحلقوا حولها، ضحكات بأصوات مرتفعة، ماذا يقولون لبعضهم حتى تتحول 20 عاما من الدم والدموع إلى ما أراه واسمعه الأن؟

تذكرت أن في السياسية خصوصا، والحياة عموما، مصطلحا اسمه الإرادة. وهي حالة متى توفرت فإن الشخص يكون قادرا على تجاوز حدث أو حالة والانتقال إلى غيرها. الإرادة وبمساعدة الأصدقاء يمكن أن تغيير كل شيء وهذا بالضبط ما حدث مع إريتريا وإثيوبيا وحتى معي في بلد كان فقط قبل هذه المناسبة يعرف بـ"كوريا أفريقيا".

ملحوظة مهمة جدا : حصلت على بطاقة هاتف في نهاية المطاف.