صخر الحاج حسين - أبوظبي - سكاي نيوز عربية

ربما كان فيلم فريدا الذي لعبت دور البطولة فيه النجمة العربية الأصل الهوليوودية الهوى سلمى حايك، من أكثر أفلام حايك نجاحا وفيه حازت على الأوسكار.

فلمن قرأ سيرة حياة الفنانة المكسيكية فريدا كالو، وأنعم النظر في تفاصيل حياتها وشاهد الفيلم سيلقى تطابقاً مدهشاً بين النسخة السينمائية من حياة تلك الفنانة وحياتها الفعلية التي عاشتها. و

مع أننا لسنا بصدد الحديث عن الفيلم بل عن فريدا الإنسانة والفنانة، نجد لزاما علينا أن نقر بالدور الذي تقمصته سلمى حايك. ربما ساعدها في ذلك الشبه اللافت بينها وبين فريدا الأصل.

إذا كان عام 1907 هو العام الذي شهد ولادة فريدا، فإن ولادتها الحقيقية لم تتم إلا مع الحادث الذي تعرضت له في سن السادسة عشر عندما كانت تستقل حافلة في أحد شوارع المكسيك والتي اصطدمت بعربة أخرى، والحصيلة كانت مولد فنانة.

أمضت فريدا شهور ما بعد الحادث على فراش المرض حيث أخذت تقتل الوقت بالرسم. وبدا بأن الطفلة التي كانت تهم بأن تصبح طبيبة في المستقبل، قنعت بدور المريضة المدمنة على مشارط الأطباء وأدواتهم الحادة. لقد صنعت فترة إبلال فريدا من المرض منها فنانة رغم عنها.

فالحادث الذي تعرضت له لم يكتف بدفعها إلى الرسم فقط، بل أوحى إليها بما يجب أن ترسمه أيضاً. لقد حولتها آلامها التي سببها الحادث إلى موضوع فني أخذ ينزف دماً حتى مماتها. ففي الحادث تشوه الجسد، إذ اخترق قضيب معدني ظهرها واسماً إياه مرة وإلى الأبد.

وتعطلت إحدى ساقيها لتصبح عرجاء وأيضاً إلى الأبد. مرضها الذي قتل فيها الطفلة، أيقظ فيها الإنسانة والفنانة. من غريب الأقدار أنه وفي اللحظة التي وقعت فيها فريدا على أرض الحافلة في الحادث، نُثر على جسدها المهشم صندوقاً من ذهب كان يحمله أحد المسافرين. وللقارئ العزيز أن يفسر ما يشاء.

ربما نقول أن ما دفعها إلى تشويه جسدها هو إصرارها على رسم وجهها هي. فقد كانت مغرمة  برسم بورتريهات لوجهها الذي حلّق طيلة حياتها بتضاريسه اللطيفة وبزغبه الخفيف فوق الشفة العليا، وبالحاجبين اللذين أصرا على أن يلتقيا بين العينين.

لوحة لضبط الذات

لم يكن وجهها الذي أبرزته لوحاتها وجه امرأة تتطلع إلى شخص ينظر إلى اللوحة. إذ أن لوحاتها التي حملت وجهها لم تخاطبنا نحن المتفرجين، بل هي لامرأة تنظر إلى نفسها.

إنه وجه امرأة تنظر إلى المرآة، صحيح أننا لا نرى المرآة، لكننا نتذكر دائما بأنها هناك. وكأننا بلوحات وجهها تمارس شكلاً من أشكال ضبط الذات. ففريدا تراقب نفسها على الدوام.

إن وجهها المرسوم هو لامرأة عملت على تحويل تجربتها برمتها إلى سلسلة من صور واضحة بل وفاقعة أحياناً من شدة وضوحها.

إنها في لوحاتها تلك، منشغلة  بإعادة تشكيل ذاتها.

لقد قال عنها زوجها دييغو ريفييرا وهو فنان تشكيلي أيضا :" فريدا هي الوحيدة في تاريخ الفن التي فتحت صدرها وقلبها لتكشف عن الحقيقة البيولوجية لمشاعرها".

تعابير وجهها المرسوم لم تغيرها السنوات. وهذا ما يثبتها شهيدة أبت إلا أن تستعرض جراحها. إن المرأة التي تغرز مشطا مزخرفاً في عمق فروة رأسها، هي امرأة قادرة على احتمال أقصى العذابات بل والتغني بها أيضاً. إنها إميلي برونتي أخرى. إذا كانت برونتي هي روائية الألم بامتياز، فإن فريدا هي فنانة الألم بامتياز. شعرها هو الآخر كان جزءاً من لوحاتها. فاضطرابه وسكونه كانا دلالتين على اضطراب وسكون صاحبته.

هناك أغنية شعبية كانت فريدا ترددها باستمرار:

انظر

إذا أحببتك فلشعرك فقط

أما الآن وقد خسرته

فلم أعد أحبك

 ومع أن فريدا خضعت لأكثر من ثلاثين عملاً جراحياً فيما بين عامي 1925-1954فقد حولت جسدها المهشم إلى لوحات تعتبر تحفا فنية بحق. وجاءتها الضربة القاضية مع بتر قدمها العرجاء. وكأن القدر بسلبها قدمها سلبها حياتها. ذلك أنها ماتت بعد ذلك.