إذا كنت في حي مدينة نصر شمال شرق القاهرة وتريد الذهاب إلى منطقة الدقي شمال الجيزة فليس عليك سوى أن تستقل سيارتك وتسلك كوبري 6 أكتوبر. وإذا كنت تريد الوصول إلى عقول الناس ودفعهم للتصويت لك بالانتخابات فأنت أيضا على الطريق الصحيح.
فالجسر الذي يمتد 20 كيلومترا ليربط بين محافظتي القاهرة والجيزة ويعد من أطول الجسور في إفريقيا، يعد أيضا أطول وأقوى ذراع إعلانية تصل بأصحاب الإعلان إلى عين المواطن مباشرة سواء كان سائقا أو راكبا.
وفي انتخابات الرئاسة عام 2014، مازال الكوبري يضطلع بدوره في استضافة الدعاية الانتخابية للمرشحين، وهو ليس بالأمر الهين، لأن أهم شريان مروري في القاهرة الكبرى يتطلب ميزانية ضخمة لوضع لوحة دعائية عليه.
فاللافتة الإعلانية التي تبلغ مساحتها 15متر× 10 متر تكلف نحو 120 ألف جنيه (17 ألف دولار)، وتختلف التكلفة باختلاف موقع الإعلان وحجمه. ويوجد ما يزيد عن 250 لوحة مختلفة الأحجام أعلى الكوبري تدار من قبل عشرات الشركات.
وتتغير اللوحات الإعلانية في موسم الانتخابات من تلك التي تحثك على شراء نوع من السيارات، أو إضافة نكهة جديدة إلى طعامك، أو تشرح لك كيف ستتحول إذا لم تأكل نوعا معينا من الشوكولاتة، إلى لوحات لا تحمل سوى صورة مرشح وبجواره علم مصر وشعار انتخابي اختير بعناية لينقلك من الجسر إلى صندوق الانتخابات لتصوت له عن اقتناع.
قوة دعائية
ويقول أستاذ العلاقات العامة والإعلان بجامعة القاهرة صفوت العالم لسكاي نيوز عربية إن "كوبري 6 أكتوبر تحديدا يمثل حالة من الحوار الإقناعي بين السياسي وجماهيره على مدار 24 ساعة.. ويعد عنصرا مؤثرا في الوصول إلى ملايين المواطنين".
ونظرة سريعة على الدعاية التي تطل أعلي الكوبري، قد تعطيك فكرة واضحة عن المرشح الذي لديه قوة دعائية أكبر وحضور لافت في المعترك الانتخابي.
ففي تلك الانتخابات، هيمنت صور ضخمة ولافتات للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي، بينما لم يحتل منافسه حمدين صباحي سوى على مسافة قصيرة من الكوبري وغير ملحوظة.
وكانت الحملتان الانتخابيتان للمرشحين قد تحدثتا الأسبوع الماضي عن حجم الدعاية. وأوضحت حملة السيسي أن غالبية اللافتات الضخمة هي تبرع من رجال أعمال بقصد المجاملة والتأييد وأنها التزمت بترشيد الإنفاق.
وفي المقابل، أوضحت حملة صباحي أن الحملة أنفقت القليل بسبب ضعف الإمكانيات وتحدثت أيضا عن تبرعات من مؤيدين.
ويرى العالم أن "قيام شخصيات في مناطق مختلفة في الإنفاق على اللافتات الدعائية في شكل مباشر مثل تبني شعار حملة المرشح أو في شكل غير مباشر عبر إظهار التأييد للمرشح مقرونا بصورة المعلن، هي تكتيك سياسي يهدف للترويج السياسي للمعلن بشكل يساعده في الانتخابات البرلمانية المقبلة".
شعارات
وفي انتخابات عام 2012، كان لافتا الحضور شبه المتساوي للمرشحين محمد مرسي وأحمد شفيق كأبرز المنفقين على الدعاية. وانعكس هذا التقارب بعد ذلك في دخولهما بجولة حاسمه وفوز مرسي بهامش ضئيل عن منافسه.
لكن بحسب العالم، فإن "حجم الإنفاق على الدعاية لا يعني بالضرورة النجاح في إقناع الناس بقدر ما يشي بإمكانيات المعلن أو الشخصية السياسية وعلاقاتها".
وحمل الكوبري شعارات لافتة على مر السنوات الأخيرة، فبينما يطل شعار "تحيا مصر" للسيسي، و"هنكمل حلمنا" لصباحي حاليا، كان يحمل في 2012 "قوتنا في وحدتنا" لمرسي، و"مصر للجميع وبالجميع" لشفيق.
كما لعب الكوبري دورا كبيرا في نقل حملة دعائية لحث المصريين على التصويت على نسخة الدستور الجديدة عام 2014.
وقبيل ثورة يناير، حملت اللافتات الضخمة أعلى الكوبري شعار "علشان تطمن على مستقبل أولادك.. صوتك للوطني" الذي استخدمه الحزب الوطني المنحل في انتخابات عام 2010، والتي كانت شبهة التزوير فيها أحد أسباب الاحتقان السياسي الذي فجر ثورة 25 يناير 2011.
الكوبري الشاهد
وكما يمتد طول الكوبري ليصل جغرافيا محطات عديدة، فإنه أيضا يعد جسرا تاريخيا تأثر بأحداث غيرت من شكل البلاد أكثر من مرة.
فقد بدأ العمل في الكوبري عام 1969 في وقت حرب الاستنزاف، واكتملت مرحلته الرابعة في عام 1973 ليتخذ اسمه الحالي "6 أكتوبر" بدلا من كوبري رمسيس، وقد توقف العمل فيه 10 سنوات بسبب الضغوط الاقتصادية بعد الحرب.
وشهد الكوبري على أحداث ثورة يناير، واستضاف آلاف المتظاهرين الذين تحدوا قوات الأمن وأطاحوا في النهاية بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم عاد بعد عامين ليمتلئ بأكمله في ثورة 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس السابق محمد مرسي.