بحلوله يستدعي التونسيون تلقائيا على مر الأجيال تركة طقوسهم الرمضانية، لتفتح صندوقها المعطر مع انبلاج الشهر الكريم، وتترجم تلك الطقوس في الشارع و البيوت وبين الناس، سلوكا وعبقا يتغلغل في المناخ الاجتماعي للبلاد.
الانطلاقة تكون مع لهفة جامعة للتأكد من ثبوت رؤية الهلال الكريم، حيث ينتظر الناس ظهور مفتي الجمهورية لإعلان قدوم "شهر البركة والخير".
انتظار في البيوت والمقاهي أمام شاشات التلفاز، ويتوج هذا الانتظار بانطلاق التهاني عبر كل الوسائط والسبل وتبادل الأمنيات من قبيل"إن شاء الله ينعاد عليكم بالخير.. رمضانكم مبروك.. سنين دايمة" وغيرها من العبارات الجميلة باللهجة التونسية.
إيقاع وعادات
ومع بداية اليوم الأول وعلى مدار الشهر، تتزين الأسواق ويتعاطى الناس معها بإيقاع خاصا، فهي شبه فاترة صباحا وتدب فيها الحياة عند الظهيرة لكنها تضحي في أوج عطائها ونشاطها مساء، ولا تسكن إلا قبل دقائق معدودات من موعد الإفطار.
وهنا تذكر لنا الحاجة الستينية تركية الرحموني، وهي تقطن أحد الأحياء الشعبية بتونس قائلة باللهجة التونسية: "سيدي رمضان شهر خير وبركة، أنا كل يوم نلبس السفساري متاعي (اللباس النسائي التقليدي) ولازم نمشي للسوق المركزي في تونس العاصمة في حدود الساعة 12 ونجيب الخضرة طازجة".
الحاجة تركية تعودت أن تقوم بالتسوق بنفسها خاصة في شهر رمضان، حرصا على حسن الاختيار والتوفق في الشراء.
تماما كما كان حال الخضار والفواكه التي كان يجلبها زوجها لها للبيت قبل وفاته لقولها"رحم الله الحاج إبراهيم زوجي.. كان يرجع محملا بقفة سعف كبيرة فيها خير الله، وأنا كيف نزور السوق في أيام رمضان نحاول نتذكر الأيام العزيزة على قلبي.. الله يرحم كل موتى المسلمين".
"البريك" ضيف عزيز
وليست الحاجة تركية وحدها من تربطها بالأسواق التونسية في المدينة العتيقة أو العاصمة أو حتى الأسواق الفرعية في المناطق الشعبية ذكريات رمضانية خاصة، و نوعية بضائع معينة تجلب يوميا على مدار الشهر الكريم من قبيل"البريك" مثلا، وهي أكلة رمضانية حاضرة على كل الموائد التونسية وتحضيرها يبدأ صباحا في بيوت بعض النسوة اللاتي يحذقن صناعتها من دقيق وماء وشيء من الملح، لكنه ينتج رائحة خاصة تعم الأحياء التي تقطنها صاحبة هذه الصنعة حينما تهم بتحضيره على إنائه النحاسي الأملس، استعدادا لبيعه.
زحمة الأسواق إذا سمة رمضانية قارة في شرايين الشوارع التونسية، كل يبحث عن ضالته، ويقصد أماكن بعينها لشراء متطلبات رمصانية يومية، لقول منجي البحري "أنا تعودت كل يوم بعد العمل أن آتي إلى وسط المدينة العربي وأشتري اللبن، والتمر، والهريسة، والخبز المبسس، والبوظة، كل شيء منها من عند شخص نثق في صناعته، ونرجع إلى البيت ليفرح الصغار والكبار".
أما المساء في تونس خلال الشهر الكريم، فله عبقه الخاص، ففي العاصمة يتزاحم الناس قرب محلات بيع الحلويات الرمضانية التونسية لشراء حلويات ساخنة.
وفي هذا الصدد يقول إسماعيل المناعي "في حدود الساعة 6 أذهب إلى فطايري الحي، ونحضر المقروض والزلابية ومخارق للسهرية ولزيارة الأحباب والأصحاب، رمضان ما يحلى إلا باللّمة والضيوف". والمقروض والزلابية والمخارق هي من أشهر أنواع الحلويات التونسية.
ليالي الأنس
ومع موعد الإفطار تسكن الشوارع وتستل أنفاس الحركة فيها إلا من بعض القطط التي قد تجدها في هذا الزقاق أو ذاك، وتجتمع العائلات حول موائد الإفطار التي لا تغيب عنها أطباق رئيسية متل "الشوربة و السلطة و البريك"، وأصناف أخرى من المأكولات.
وتسمع أصوات بعض الأبواب لاحقا وهي تطبق معلنة عن عجلة بعض أفراد هذه الأسر أو ذاك للالتحاق بصلاة المغرب في المسجد.
وبعد صلاة التروايح ينطلق "السمر الرمضاني"، وتدب حياة أخرى في الشوارع وتعود لتغص بالمترجلين، والمقاهي تمسي عامرة وأصوات القهقهات تعم المكان ورائحة القهوة العربية التونسية المعطرة بنكهة ماء الزهر تتسلل إلى الأفئدة وتشرح النفوس، لقول سفيان الصيداوي "يلزمني كل ليلة أن نأتي للقهوة في وسط البلاد، وأقابل الأصحاب، هذا جونا في سيدي رمضان.. ريحة القهوة (البنينة) والصحبة الباهية".
ولا يقتصر ليل التونسيين في رمضان على تبادل الزيارات والتسامر في بيوت الأهل، ومع الأصحاب، ودعوات الجيران إلى التمتع بفنجان قهوة أو شاي أو غيرها، ولا ارتياد الشباب للمقاهي فقط، وإنما للمهرجانات الثقافية والعروض الفلكلورية في تونس في الشهر الكريم روادها ومريديها.
فعادة لا تخلو واجهة المدينة العتيقة في تونس من عروص فلكورية مثل "بوسعدية" والعروض القائمة على الألعاب النارية والفرق التراثية التي تتغنى بـ"ريحة البلاد"، وحب تونس وأيام زمان، وغيرها من الأغانى التونسية العريقة، وهنا تقول السيدة نجيبة بن عبد الله لسكاي نيوز عربية "كل رمضان نتابع برشا(كثيرا) مهرجان المدينة، ونحضر حفلات كثيرة في المدينة العربية بالعاصمة، والحفلات التي تصير في البيوت القديمة هناك.. هذا جونا جو تونس.. جو الأصالة والعادات التقلدية وسيدي رمضان فرصة لنتذكر فيها أيام زمان".