يقف من تبقى من صناع السجاد الإيراني أمام ورش الصناعة الشهيرة يترقبون بخوف وهلع مصيرها ومصير خبرة وهوية متراكمة منذ آلاف السنين يصعب تعويضها بعد توقف الكثير من الورش عن العمل نتيجة العقوبات الغربية ثم الحرب الأخيرة التي ضربت قلب هذه الصناعة.

وبات محسن طاهري - اسم مستعار - أحد هؤلاء الصناع يجد صعوبة في الحصول على الخيوط والأصباغ الطبيعية للعمل وحتى ما يتم صناعته يجد صعوبة في تصريفه سواء للسوق الداخلي أو الخارجي.

وأدت القيود على التصدير بسبب العقوبات المفروضة على إيران ثم ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة الحصول على المواد الخام مع الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي إلى تسريح الكثير من العمال المهرة الذين تشكل مهارتهم في هذه الصناعة أكبر خسارة قد تحل عليها إن فقدتها.

يقول طاهري في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية" إن "80 بالمئة من ورش ومصانع السجاد الصغيرة والمتوسطة في كاشان التابعة لمحافظة اصفهان والشهيرة بصناعة السجاد توقفت عن العمل وأصحاب المصانع لا ينتظرون انفراجة قريبة".

ولا يتعلق الأمر فقط بصعوبات التصدير ولكن السوق الداخلية نفسها لم تعد قادرة على استيعاب الإنتاج لأن القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت بشدة وأصبح السجاد بالنسبة إلى كثير من الأسر من الكماليات المؤجلة.

ورغم الهدنة في 8 أبريل الماضي إلا أن ورشة طاهري وغيرها من الورش والمصانع بكاشان قلب صناعة السجاد الإيراني الفاخر لم تنتعش بعد نتيجة ضعف الطلب والشراء والتصدير.

وتراجعت صادرات السجاد إلى أقل من 40 مليون دولار خلال 2025 بعدما كانت أكثر من ملياري دولار قبل 3 عقود بحسب بيانات لجنة السجاد والحرف اليدوية التابعة لغرفة التجارة الإيرانية.

وهذا النزيف لمبلغ الصادرات مرشح للارتفاع نتيجة تراجع القوة الشرائية للإيرانيين بعد الحرب والتدمير الواسع الذي لحق بالمنشآت والبنية التحتية وتسريح مئات الآلاف من العمال في الكثير من المهن.

تراجعت صادرات السجاد إلى أقل من 40 مليون دولار خلال 2025

ماذا بعد وقف إطلاق النار؟

ولم تصب الحرب مصانع السجاد نفسها بالضربات لكن وفق طاهري فإن الضربة الحقيقة جاءتها من تعطل سلسلة الإنتاج بداية من المواد الخام والنقل وحتى البيع والتصدير، بجانب ارتفاع أسعار الألياف الصناعية التي هي مادة أساسية في جزء واسع من صناعة السجاد الحديثة.

وقال طاهري "نتيجة لذلك اضطررت مثل غيري من ملاك الورش والمصانع لتقليص العمالة في البداية ثم التوقف تماما في أيام الحرب الأربعين قبل أن يعود التشغيل جزئيا مع وصول دفعة من المواد الخام بعد وقف إطلاق النار".

إلا أنه يتخوف من أن تؤدي الزيادة المرتقبة في أسعار المنتجات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والخامات والنقل إضافة إلى استمرار عزوف المواطنين عن الشراء.

والأسوأ لمستقبل الصناعة كما يقول طاهري أنه بجانب فقدان الكثير من العمال مورد رزقهم فإن الصناعة تخسر مهاراتهم وخبرتهم وهذا يهدد الخبرة الإيرانية التاريخية في هذه الصناعة

وكان الاتحاد العام لتعاونيات السجاد اليدوي في إيران قد أعلن أن القطاع كان يشغل 6 ملايين شخص خلال تسعينيات القرن الماضي مع إنتاج سنوي بلغ 6 ملايين متر مربع من السجاد فيما يقدر عدد النساجين حاليا بأقل من 700 ألف شخص وبإنتاج لا يتجاوز مليوني متر مربع سنويا.

وسبق أن ألزمت الحكومة الإيرانية المصدرين بشكل عام منذ عام 2018 بعد تشديد العقوبات الغربية ببيع جزء من مكاسبهم من العملات الأجنبية إلى البنك المركزي بالسعر الرسمي بدلا من الأسعار المتاحة في السوق المفتوحة ما تسبب في تراجع عدد مصدري السجاد بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".

ولفتت إلى أن السجاد الإيراني كان يصدر لأكثر من 80 دولة تقلصت إلى بضع دول، منها ألمانيا واليابان وبريطانيا وباكستان، خصوصا مع دخول تركيا والهند والصين في المنافسة على صناعة السجاد وملء الفراغ.

تراجعت صادرات السجاد إلى أقل من 40 مليون دولار خلال 2025

ضربة للهوية

يصف الخبير الاقتصادي الإيراني علي رضا صداقت ما جرى لصناعة السجاد في كاشان وبقية مراكز الإنتاج بأنه نموذج مكثف لما أصاب الاقتصاد الإيراني كله بعد الحرب.

ويوضح لـ"سكاي نيوز عربية" أن "هذه الصناعة تأثرت بـ 3 عوامل الضربة المباشرة التي طالت البنية الصناعية وسلاسل الإمداد والاختناق في الصادرات والتحويلات والنقل نتيجة الحصار والقيود البحرية والانهيار السريع في الطلب المحلي بسبب التضخم وتراجع قيمة الريال.

والأربعاء الماضي قفز سعر الدولار إلى نحو مليون و 810 آلاف ريال وهو مستوى قياسي وفقد الريال نحو 15 بالمئة من قيمته خلال يومين فقط وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن وكالة الطلبة الإيرانية "إيسنا".

ويقول صداقت إن استهداف الهجمات الأميركية والإسرائيلية للمجمعات البتروكيميائية لم يضرب فقط قطاع الطاقة بل كذلك الصناعات التحويلية المعتمدة على مشتقات البتروكيماويات ومنها ما يتعلق بصناعة الألياف والخيوط والمواد الداخلة في السجاد الحديث وهذا أدى للقفزة الكبيرة في أسعار هذه الألياف.

وفي تقديره فإن "الخسارة مزدوجة فهي خسارة مادية بجانب خسارة قيمة رمزية وثقافية فالسجاد الإيراني يرتبط بالحرفية والهوية الحضارية لإيران.

وحسب الخبير الإيراني فإن مثل هذه الصناعة التاريخية كان مفترضا أن تكون جزء من صمود الاقتصاد، لكنها باتت شاهدا على عمق الانهيار الاقتصادي في البلاد.