محملا بالفجيعة، وعذابات الجزائريين وآلامهم في فترة التسعينيات، حل وزير الاعلام الجزائري السابق ومدير المكتبة الجزائرية حاليا ضيفا على "أمسية أبوظبي" التي تعقدها هيئة ابوظبي للسياحة والثقافة تحت عنوان: "شهادة وقراءة"، فمن قصيدة اللعنة والغفران إلى قصيدة فراشة بيضاء لربيع اسود تجول الشاعر في سرد مأساة الجزائر والعشرية السوداء التي عاشتها عقب إلغاء الانتخابات البرلمانية عام 1992 وصولا إلى الربيع العر

سكاي نيوز عربية التقت بالوزير والشاعر عز الدين ميهوبي على هامش الامسية وأجرت معه الحوار التالي:

يتساءل كثيرون، لماذا لا تعيش الجزائر ربيعها على غرار الدول العربية؟

يعيش الربيع من لم يعشه. اعتقد ان الجزائر في النهاية تبقى استثناء، إذا عدنا إلى الأسئلة التي يطرحها الشارع العربي وهي أسئلة الديمقراطية وأسئلة الحرية وأسئلة المرأة والتداول حول السلطة أو الأسئلة التي يمكن أن تكون مجال للتعبير أو الاحتجاج بوسائل مختلفة كاللجوء إلى الشارع أو التعبير الذي يصل أحيانا إلى العنف، فهذه الاسئلة أجاب عنها الجزائريون قبل سقوط جدار برلين وذلك حينما خرج الجزائريون الى الشارع في اكتوبر عام 1988 وهي المطالب ذاتها التي طالب بها الشعب التونسي والليبي والمصري واليمني والسوري عام 2011، يتساءلون هل سيتأثر إسلاميو الجزائر بالإسلاميين في مصر وتونس والمغرب؟ نقول إن الوضع مختلف ولا يمكن المقاربة بين الجزائر وهذه البلدان؛ لأن الإسلاميين او من يتبنون المنهج السياسي الإسلامي في الجزائر هم الجزء المكون للمجتمع السياسي في الجزائر، فهم لهم حضورهم ومشاركتهم في الحكم وهم موجودون في الحكومة والبرلمان والحياة العامة بتنظيماتهم السياسية والمجتمع المدني.. اذن هم موجودون في جسم الدولة بمختلف مؤسساتها وبالتالي فالاإلاميون لن يكتشفوا السلطة من جديد.. اعتقد ان الجزائريين مروا على أكثر من ربيع وأكثر من شتاء.

لكن الإسلاميين الحقيقيين وصلوا الى البئر ولم يشربوا منها العام 1992؟

المسألة بسيطة.. بعض الإسلاميين استخدموا وسائل غير ديمقراطية للاستفادة من فضائل الديمقراطية، فعندما تستخدم العنف فأنت تقصي نفسك من العملية الديمقراطية وأنت تحيل نفسك إلى أنك تشكل خطراً على هذه الديمقراطية واستقرار البلاد، وهذا ما حدث بعد تلك الانتخابات.

معظم المفكرين والمثقفين العرب فاجأتهم الثورات العربية، هل فاجأت الثورات العربية المثقف والشاعر الجزائري عزالدين ميهوبي؟

مصطلح الربيع انطلق في بداياته حلما بالربيع لكنه في النهاية انتهى إلى كابوس في بعض البلدان نتيجة الى عدم حل هذه الأزمات.. الشارع الذي خرج ضد أنظمة معينة لكنه مازال في الشارع رغم سقوطها.. إذن ما هي مطالب الجماهير؟ الاسئلة الحقيقية هي أسئلة ما بعد الربيع؟ بعد الربيع يأتي الصيف ومعه تنتشر الأوبئة والجفاف وبالتالي كيف نتمكن من احتواء أسئلة التغيير؟ شخصيا كنت مدركاً أن كل بلد ستحدث فيه حالات تغيير تدريجية، وعمليات إصلاح ضمن المؤسسات القائمة، لكن لم أكن أتصور ان حجم العنف يصل الى هذا الحد، ولست مثل الكثير من الكتاب الذين يعودون إلى الارشيف ويقولوا اننا بشرنا بالثورات في هذا الكتاب أو ذاك قبل 10 أعوام أو 15 عاما.

البوعزيزي فاجأ الجميع فاجأ عائلته فاجأ نفسه وبلدة سيدي بوزيد التي كرمتني في العام 2005، وفاجأ العالم، مثلما حدث في الحرب العالمية الاولى عندما قتل ولي عهد النمسا في سراييفو وكانت بمثابة الطلقة التي أشعلت فتيل الحرب، والحرب الاهلية في لبنان بسبب الاعتداء على حافلة ركاب والازمة الكروية بين الجزائر ومصر بسبب رشق حافلة تقل لاعبين وهكذا، اللحظة التي لا ينتظرها الانسان هي القطرة التي تفيض الكأس.. الكأس امتلأ لكن من أين تأتي القطرة لا أحد يدري.

تحدثت عن الصيف والأوبئة وأسئلة ما بعد الربيع.. كأني بك متشائم من هذا الحراك؟

لا اقول اني متشائم لكني لا اريد من الناس استعجال النتائج. هذا شبيه الى حدما عندما سألني أحدهم عن رأيي في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة، قلت له هل تعتقد ان خطاب 60 دقيقة سيحل مشكلات 60 سنة. البعض يتحدث عن حكم القذافي 42 سنة ومبارك 30 سنة وبن على 23 سنة وعلي عبد الله صالح 33 سنة ويعتقدون ان الحل في ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، الحل ليس في الحلول الاستعجالية.. الحلول المرجوة تأتي من خلال الحوار المعمق والأهم من ذلك ان يكون هناك تواصل داخل المجتمع بكل مكوناته السياسية وأعضاء المجتمع المدني، لست متشائماً لكن ضعف المؤسسات التي ُطرحت كبدائل لم تستطع الاجابة عن الأسئلة التي طرحها الشارع، وهذا الضعف يعطي المبرر للقوى الخارجية في ايجاد حلول تحت الطاولة بأجندات جاهزة، أنت تعتقد انها حل لكنها حل مفخخ.

وكأني بالوزير عزالدين يؤمن بنظريات المؤامرة؟

عندما ننظر الى فكرة الشرق الاوسط الجديد التي بشرت بها أمريكا من خلال رموزها ونخبها سواء من خلال الدراسات التي كانت تقدمها مخابر جورج تاون و هافارد ومراكز اخرى غير معلنة او من خلال التصريحات السياسية التي تطالب الدول العربية بإجراء اصلاحات ديمقراطية في منظومة الحكم اوفي التربية.. أو التطبيع مع اسرائيل والتقرب منها اكثر حتى تحل هذه المشكلة العالقة، فبالتالي تشعر أنت الذي تتحدث عن مسألة اصلاحات تفهم ان هناك شيء ما يدبر بليل. اليد الأجنبية جاءت متأخرة وحاولت أن تلعب دورا في الربع ساعة الأخير وهم يعترفون بأنهم فوجئوا بما حدث.. لا اعتقد ان البوعزيزي اوحى له البيت الأبيض أن يحرق نفسه ليفعل ذلك، لو كان على تواصل مع الأميركان لما كان بائع خضار في سيدي بوزيد.. اذن يجب ان نتحمل مسؤولية الذي حدث، مسؤولية فشل النظام في ان يجد حلول لجماهيره.

هناك من يجزم بالاعتقاد ان لكل ثورة منظريها الا هذه الثورات لا يوجد من ينظر لها هل تؤيد هذا الطرح؟

لا يمكن ان نتحدث عنها بأنها ثورات، لأنها في اعتقادي اقل من ثورة وأكبر من احتجاج، الثورات الكبرى كان لها منظرون يضعون لها الاطار العام وينفذها عامة الناس لأنهم يجدون انها تعنيهم ويستفيد منها الجالسون في الصالونات الذين ينتظرون دورهم لقيادة هذا البلد أو ذاك.

أنت تحاملت على الإخوان عندما قلت في قصيدة فراشة بيضاء لربيع أسود "رغيف الثورة يأكله الإخوان"؟

يقولون ان الرهان في الشارع العربي أصبح على الإسلاميين وآن الأوان لكي يكون لهم دور في الحياة السياسية وعندما نختزل الإسلاميين في الإخوان كحركة ثقافية وسياسية واجتماعية، فأي ثورة حتى لو تحدث في بوركينا فاسو سيكون للإخوان دور فيها.

هل مازال عزالدين ميهوبي المثقف، يمارس السياسة؟ وإن كان كذلك، ما هو دوره في المرحلة المقبلة ونحن على ابواب الانتخابات البرلمانية؟

أولا أنا لم أترشح على الرغم من دعوات وجهت لي بالمشاركة للقيام بدور ما، أنا أقوم بمهام توكل لي لأننا جيل يشعر أن دوره أشبه بلاعب كرة يحدد له مدربوه هذا الدور وبالتالي قد تلعب ساعة أو ربع ساعة أو لا تلعب أصلا.. المسألة هي انك تصل في مرحلة ما تجد نفسك مكلف بوظيفة تقوم بها لصالح الدولة، اما بالنسبة للممارسة السياسية فنحن نقوم بها كل يوم.

في كل مرة يزور عزالدين ميهوبي الإمارات ما هي نوع العلاقة التي تربطه بها؟

هذه الدولة أصبحت بين عشية وضحاها حديث العام والخاص، اليوم الإمارات حولت الى ورشة باستخدام افرازات التكنولوجيا وأصبحت نموذجاً يحتذى به واستفادت من نظرة الرواد المؤسسين، ثم ان الإمارات اصبحت تهتم بالموروث الثقافي والإبداع في مختلف المجالات، أجيئ اليها لأنه تجمعني روابط بمبدعيها ومثقفيها.