في خطوة تعكس التحولات المتسارعة بعالم الذكاء الاصطناعي، كشفت شركة "أنثروبيك" عن أقوى نماذجها المتاحة للجمهور حتى الآن "كلاود فابل 5"، مع فرض ضوابط أمنية مشددة تهدف إلى الحد من إساءة استخدام قدراته المتقدمة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن مستقبل المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان الأمان بات المعيار الحقيقي لقياس قوة هذه النماذج.

ويتميز "كلاود فابل 5" بقدرات متطورة في كتابة الأكواد البرمجية واكتشاف الأخطاء، وتحليل كميات ضخمة من البيانات، فضلا عن قدرته على العمل بصورة مستقلة لساعات أو حتى أيام، إذ يستطيع التخطيط للمهام ومراجعة تقدمه وتصحيح مساره أثناء التنفيذ، مما يجعله أقرب إلى مساعد قادر على إنجاز أعمال متكاملة نيابة عن المستخدم.

لكن أهمية الإطلاق لا تكمن في القدرات التقنية فحسب، بل في الإجراءات الأمنية التي رافقته، إذ كانت التقنية الأساسية التي يستند إليها النموذج، المعروفة باسم "Mythos"، محجوبة عن العامة منذ أبريل الماضي، ومقتصرة على عدد محدود من الشركاء بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني.

ومع طرح النموذج للعامة، اعتمدت "أنثروبيك" آليات حماية جديدة، إذ يتم حجب الإجابات المرتبطة بالأسئلة عالية الخطورة في مجالات الأمن السيبراني أو البيولوجيا أو الكيمياء، وتحويلها تلقائيا إلى نموذج أقدم وأكثر تحفظا.

وتؤكد الشركة أن هذه القيود لا تفعل إلا في أقل من 5 بالمئة من الجلسات، حفاظا على التوازن بين الاستفادة من القدرات المتقدمة وضمان الأمان.

الذكاء الاصطناعي.. قوة أكبر وقيود أشد

وفي حديثه لبرنامج "الظهيرة" على "سكاي نيوز عربية"، أوضح الصحفي المتخصص بالتكنولوجيا في "سكاي نيوز عربية" محمد عنتر، أن الشعبية الأكبر التي يحظى بها "تشات جي بي تي" تعود إلى أن شركة "أوبن إيه آي" كانت أول من أتاح تقنيات الذكاء الاصطناعي للعامة، مشيرا إلى أن شركة "أنثروبيك" منافسة أساسية لـ"تشات جي بي تي"، وأن المشكلة الرئيسية التي تواجهها تتمثل في محدودية التسويق مقارنة بالحملات الإعلانية الضخمة لمنافستها.

وأضاف عنتر أن "تشات جي بي تي" و"كلود" يقدمان تقريبا نفس الخدمات، لكنه لفت إلى أن "كلود" أفضل في البرمجة، وفي تحليل الأمور المعقدة والأشياء التي تتعلق بالرياضيات، بينما يتفوق "تشات جي بي تي" في مجال توليد الصور والفيديوهات.

وحول النموذج الجديد، قال عنتر إن "فابل 5" هو الأقوى حاليا في السوق مقارنة بكل نماذج الذكاء الاصطناعي الموجودة، وأشار إلى أن اختبارات أجريت على النموذج أظهرت قدرات لافتة في تحليل الأسواق والبيانات المالية، إلى درجة أن أداءه اقترب من أداء أفضل المحللين الماليين.

وفي المقابل، أكد أن مصدر القلق الرئيسي يرتبط بقدرات النموذج في مجال الأمن السيبراني، موضحا أن النموذج الأساسي "Mythos" قادر على اكتشاف الثغرات الأمنية في الهواتف والبرامج المختلفة، وهو ما دفع "أنثروبيك" في أبريل الماضي إلى عدم طرحه للعامة، والاكتفاء بإتاحته لعدد محدود من الشركات المتخصصة.

وأضاف أن شركات الأمن السيبراني أصيبت بالصدمة عندما اختبرت النموذج، بعدما تمكن من اكتشاف أكثر من 10 آلاف ثغرة، الأمر الذي دفع الشركة إلى تقييد استخدامه قبل أن تعيد طرحه لاحقا، بعد إضافة ما يعرف بـ"غارد ريلز"، وهي ضوابط تمنع الحصول على إجابات قد تسبب أضرارا أو تساعد في تنفيذ هجمات إلكترونية.

الذكاء الاصطناعي عند مفترق "الخطر"

وعن انعكاسات المنافسة المتصاعدة بين الشركات، أكد أن "مجرد أن تقوم أي شركة بطرح نموذج جديد وقوي فهذا يفيدنا كمستخدمين، لأن اشتداد المنافسة يدفع الشركات إلى تقديم مزيد من الابتكارات وبأسعار أقل".

وختم قائلا إن "المستخدم هو من يحدد النموذج الأنسب لاحتياجاته"، موضحا أن "كلود" يتفوق بالأمور العلمية، و"تشات جي بي تي" يتفوق بالأمور الأدبية.