"الأسرع والأعلى والأقوى".. شعار ترفعه الأولمبياد بشكل عام، يحمل تشجيعا دائما للرياضيين المشاركين في منافسات الألعاب الأولمبية، مفاده أن تحطيم الأرقام القياسية هدف لن يتوقف عنده أحد.
والمتابع لتاريخ الدورات الأولمبية يرى دون شك تطورا في الأرقام التي يحققها حاملو الميداليات، منذ النسخة الأولى في الأولمبياد في العصر الحديث، التي أقيمت عام 1896 في اليونان.
وقبل ساعات من نسخة جديدة من الأولمبياد تشهدها العاصمة البريطانية لندن من المنتظر أن تحمل هي الأخرى أرقاما جديدة، تبدو الفروق واضحة بين أبطال النسختين الأولى (1896) والأخيرة (2008) من الأولمبياد، ما يعطي مؤشرات قوية بأن الإنسان استطاع على مدار قرن من الزمان تقريبا أن يطور أداءه ويرفع قدراته، لا سيما البدنية منها.
وعلى سبيل المثال، ففي منافسات السباحة الحرة لمسافة مائة متر، كان البطل الأولمبي عام 1896 هو المجري ألفريد هاجوس، الذي تمكن من قطع المسافة في دقيقة و22 ثانية وجزءين من الثانية، في حين كان الفرنسي آلان برنارد هو بطل النسخة الأخيرة في العاصمة الصينية بكين بزمن قدره 47 ثانية و21 جزءا.
يبدو الفارق الزمني بين الرقمين كبيرا، لكنه ليس بهذا الحجم في حال عقد مقارنة بين ظروف المنافسة في 1896 و2008، ففي الأولى كان السباق يجرى في مياه البحر المتوسط، وفي ظل درجة حرارة وصلت إلى 10 مئوية وأمواج ارتفاعها 4 أمتار.
ويرجع الدكتور أسامة غنيم رئيس الإدارة المركزية للطب الرياضي بالمجلس القومي للرياضة في مصر، التطور أداء الرياضيين على مدار تلك السنوات لأسباب عدة، على رأسها تطور تكنولوجيا التدريب، وذلك في حديث له مع "سكاي نيوز عربية".
وفي سباق الـ 100 متر عدو للرجال، حقق الأميركي توماس بورك أول ذهبية أولمبية في العصر الحديث بأولمبياد 1896، حيث قطع المسافة في زمن قدره 11 ثانية و8 أجزاء.
ولدى مقارنته بأسرع رجل في العالم الآن، الجامايكي أوسين بولت، فإن الأخير صاحب ذهبية بكين قطع المسافة ذاتها في زمن قدره 9 ثوان و69 جزءا من الثانية.
ويقول غنيم إن القياسات الفسيولوجية التي يجريها الرياضيون باستمرار والتي تم استحداثها في السنوات الأخيرة أدت بشكل مباشر إلى الارتقاء بقدراتهم البدنية، ويضيف أن "تطور أجهزة وأساليب التدريب ووسائل قياس قوة العضلات والعمل على تقوية عضلات معينة، كل هذا جعل بوسع الرياضي أن يحقق أرقاما أفضل بشكل عام".
أما في منافسات القفز بالزانة فإن الأميركي وليام هويت صاحب ذهبية 1896 حقق أول رقم أولمبي وقدره 330 سنتيمتر، في حين أن آخر بطل أولمبي في اللعبة ذاتها فهو الاسترالي ستيفن هوكر صاحب قفزة بالزانة بلغ ارتفاعها 596 سنتيمتر.
ويظهر الفارق جليا في لعبة مثل القفز بالزانة، لأنها - فيما يبدو - لا تعتمد فقط على القدرات البدنية، وإنما على التطور التكنولوجي الذي طرأ على صناعة الزانة نفسها، وفي تعديل "تكتيك" القفزة، وهما أمران احتاجا عشرات السنوات.
ويضيف غنيم أن هناك عوامل نفسية عملت على تحسين أداء الرياضيين، فهناك ما يعرف بـ"التدريب العقلي" الذي يمارسه متخصصون، كما أشار إلى دور تطور أساليب التغذية في هذا الشأن.
وكذلك الحال في رياضة تحتاج قوة كبيرة مثل رمي الجلة، حيث إن الرقم الأولمبي في 1896 مسجل باسم الأميركي روبرت غاريت الذي، وقدره 11.22 مترا، في حين أن الرقم الأخير في بكين بلغ 21.51 مترا، للبولندي توماس ماجويسكي.
ويوضح غنيم أن التطور في إجراءات الكشف الطبي التي كانت تجرى على الرياضيين حال دون مشاركتهم وهم يحملون مرضا أو خللا بعينه قد يعوق قدراتهم، وهو ما كان يحدث أحيانا في الماضي.