أبوظبي - سكاي نيوز عربية

يأتي فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة من كبار الشخصيات في تنظيم القاعدة المتواجدين حاليا في إيران، ليؤكد العلاقة الوطيدة بين النظام الإيراني وهذا التنظيم الإرهابي والتي تعود إلى عام 2001.

وأعلنت وزارة الخزانة أنها صنفت السعودي فيصل جاسم محمد العمري الخالدي، والمصري يسري محمد إبراهيم بيومي، والجزائري محمود محمود غومين "إرهابيين عالميين"، وهم من المتهمين بالمساهمة في نقل أموال ومقاتلين من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط.

ووفقا لوزارة الخزانة، فإن الخالدي هو رئيس اللجنة العسكرية للقاعدة، وقائد سابق لإحدى الكتائب وله علاقات مع حركة طالبان الباكستانية.

أما بيومي فهو مسؤول الاتصالات الخاص بالقاعدة مع السلطات الإيرانية، فيما كان غومين مسؤولا عن عناصر القاعدة المقيمين في إيران.

علاقة تاريخية

ويعود تاريخ العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران إلى أواخر عام 2001، عندما لجأ إليها كثير من قياداتها إثر انهيار نظام طالبان في أفغانستان مع بدء الغزو الأميركي للأخيرة، بحسب تقرير لمجلة فورين أفايرز الأميركية.

في أواخر ذلك العام، توجه زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن والزعيم الحالي للتنظيم أيمن الظواهري شرقا إلى باكستان، في حين توجه العديد من قيادات التنظيم مع أسرهم غربا، إلى إيران.

وكانت إيران أكثر استعدادا لقبولهم عندها، وفي أكتوبر 2001، فأرسلت طهران وفدا إلى أفغانستان لضمان انتقال قيادات القاعدة وأسرهم إلى إيران.

ومن بين من توجهوا إلى إيران أسرة أسامة بن لادن ومسؤول الأمن في التنظيم سيف العدل وكذلك ياسين السوري، الذي كان يعرف بأنه مسؤول الإمدادات والتجنيد في التنظيم ومحمد المصري الذي كان أحد مخططي الهجمات على السفارات الأميركية في شرق إفريقيا عام 1998.

ومن أفراد أسرة بن لادن الذين كانوا في إيران ابنه سعد وأسرته وإخوانه وأخواته وأبنائه محمد وحمزة ولادن وأخواتهم وخالتهم. وهناك أيضا محمد إسلامبولي وزوجته، إضافة إلى القيادي عبدالحكيم الأفغاني الملقب بـ"هارون".

وخلال السنوات اللاحقة، أودعت إيران معظم هؤلاء القادة الكبار في التنظيم قيد الإقامة الجبرية والرقابة الصارمة وقيدت حركتهم، لكنها بين الحين والآخر، كانت تمنحهم حرية الحركة وجمع التبرعات وتسهيلات أخرى تتعلق بانتقال عناصر التنظيم إلى مناطق وجود التنظيم في باكستان والعراق وغيرهما عبر إيران.

في وقت لاحق، بدا أن إيران مستعدة لزيادة وتوسيع مستوى علاقاتها مع التنظيم الإرهابي، خصوصا ضد الوجود الأميركي في العراق.

3
1 / 3
بن لادن وخامنئي
2 / 3
مجلس إدارة القاعدة في إيران
3 / 3
القاعدة وإيران

حماية إيرانية

وفي الوقت الذي تلقى فيه التنظيم ضربات قوية في باكستان واليمن والقرن الإفريقي، جراء القصف بواسطة الطائرات دون طيار، وأضعف التنظيم، لم تتعرض القيادات الموجودة في إيران لأي أذى، بحسب دراسة نشرتها دورية "فورين أفيرز" في العام 2012.

وتزعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني العلاقة مع عناصر القاعدة في إيران، وبين عامي 2001 و2002 ساعدت قوات القدس في انتقال المئات من الأفراد ذوي الصلات بالقاعدة.

في العام 2002، سمحت إيران لتنظيم القاعدة على أرضها بتأسيس ما يمكن وصفه بـ"مجلس الإدارة"، وهو عبارة عن مجلس للتنسيق والتشاور كلفه بن لادن بتوفير الدعم الاستراتيجي لقادة التنظيم الموجودين في باكستان.

وضم المجلس كلا من سيف العدل وسليمان أبو الغيث وأبو الخير المصري وأبو محمد المصري وأبو حفص الموريتاني، وظل هؤلاء القادة الخمسة فاعلين ومتنفذين على مدى السنوات اللاحقة واحتفظوا بعلاقات جيدة مع بن لادن.

ومن بين أبرز هؤلاء الخمسة كان سيف العدل الذي ساعد أيضا في تنظيم المجموعات المقاتلة التي تقاتل نظام الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي والهجمات الإرهابية في الرياض في مايو 2003.

خلال الغزو الأميركي للعراق، خاض مسؤولون أميركيون محادثات مع إيران، وأثير خلالها مسألة تنامي أعداد قيادات التنظيم الإرهابي على التراب الإيراني.

وأبدى بعض المسؤولين الأميركيين قلقا من احتمال استخدام ورقة وجود قادة القاعدة في إيران كمبرر لغزو الأخيرة.

وبالفعل، عقدت الحكومة الأميركية وإيران محادثات مباشرة بين عامي 2002 و2003 طالب خلالها المسؤولون الأميركيون طهران بطرد قادة القاعدة إلى بلدانهم الأصلية، وهو الطلب الذي رفضته إيران.

لكن منذ ذلك الحين انتقلت السيطرة على العلاقة مع القاعدة من فيلق القدس إلى وزارة الاستخبارات الإيرانية التي قامت بتعزيز رقابتها على أعضاء التنظيم وأسرهم.

وفي أوائل العام 2003، اعتقلت طهران كل أعضاء المجلس الإداري ومساعديهم ممن ظلوا في إيران.

ومع ذلك ظلت أوضاع من اعتقلتهم طهران غير واضحة، وربما عانى بعضهم من مرارة السجن، في حين بقي آخرون قيد الإقامة الجبرية بشكل غير رسمي، وتمتعوا بحرية الانتقال والسفر وجمع التبرعات لصالح التنظيم.

رسائل بن لادن والظواهري

وفي السنوات اللاحقة، كان بن لادن والظواهري وقادة آخرون من التنظيم يرسلون برسائل تهديد إلى طهران في حال تعرض أسرة بن لادن للأذى وطالبت بالإفراج عنهم، لكن إيران لم تستجب لهذه التهديدات ولم ينفذ التنظيم تهديداته.

وفي العامين 2009 و2010، بدأت إيران بتحرير أعضاء التنظيم وأسرهم من "الاعتقال" والإقامة الجبرية، بمن فيهم أسرة بن لادن.

ويبدو أن طهران وضعت العديد من الخطوط الحمراء للمجلس الإداري، من بينها الامتناع عن التخطيط لشن هجمات إرهابية انطلاقا من إيران، والامتناع عن استهداف الحكومة الإيرانية وعدم الظهور العلني، وإذا التزم التنظيم بهذه الخطوط، ستسمح طهران لهم بمزيد من الحريات خصوصا جمع التبرعات والاتصال مع قيادة التنظيم المركزية في باكستان وقيادات التنظيم في مناطق أخرى من العالم، وكذلك انتقال المقاتلين التابعين للتنظيم عبر إيران.

وظلت إيران مركزا مهما للتنظيم، فالسوري، المولود في القامشلي عام 1982، يعتبر أحد أبرز عناصر التنظيم في إيران، وسمحت له إيران بالعمل بحرية منذ أواخر العام 2005، بحسب ما ذكرت وزارة الخزانة الأميركية.

وقام السوري بجمع التبرعات والأموال لصالح التنظيم وتحويلها إلى قيادة القاعدة في باكستان وأماكن أخرى، كما قام بتسهيل انتقال مجندي التنظيم إلى باكستان وأفغانستان، وقام كذلك بتنظيم عمليات الإفراج عن عناصر التنظيم المعتقلين في إيران بحسب ما ذكرت وزارة الخارجية الأميركية.

والعلاقة بين إيران والقاعدة "براغماتية"، فطهران تحتفظ بالتنظيم لديها كشكل من أشكال الدفاع، إذ طالما أن القيادات موجودة على التراب الإيراني فإنها لن تتعرض لهجمات وستبقيهم تحت رقابتها وسيطرتها، كذلك إذا تعرضت إيران لهجمات أميركية أو إسرائيلية، فإنها ستطلق يد التنظيم ضدهما.

الشريك المفضل لإيران

ومن المعروف أن إيران تستخدم جماعات تعمل بالنيابة عنها سعيا وراء مصالحها الخارجية، كحزب الله في لبنان وطالبان في أفغانستان والحوثي في اليمن.

من جهته، جعل استعداد التنظيم وإبداء قدرته على ضرب المصالح الأميركية من التنظيم شريكا مفضلا لإيران.

في العام 2004، وجه زعيم التنظيم في العراق، أبو مصعب الزرقاوي رسالة إلى الظواهري يشكو فيها من إيران، فرد الأخير عليه برسالة في منتصف العام 2005 قال فيها "إن الشيعة ليسوا هدفا للتنظيم".

وجاء في رسالته "هل تناسى الإخوة أن لدينا أكثر من 100 أسير، كثير منهم من القيادات المطلوبة، في بلادهم، لدى الإيرانيين؟ وهل تناسى الإخوة أن كلاّ منا والإيرانيين في حاجة إلى أن يكف كل منا أذاه عن الآخر في هذا الوقت الذي يستهدفنا فيه الأميركيون؟".

من ناحيته، اعترف المتحدث باسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني بالابتعاد تماما عن استهداف إيران امتثالا لأوامر القاعدة، وقال إن التنظيم ظل يلتزم نصائح وتوجيهات قادة القاعدة، ولذلك لم تضرب داعش "الروافض في إيران منذ نشأتها، وتركت الروافض آمنين في إيران، وكبحت جماح جنودها المستشيطين غضبا.. وكظمت غيظها كل هذه السنين؛ تتحمل التهم بالعمالة لألد أعدائها إيران؛ لعدم استهدافها.. امتثالا لأمر القاعدة؛ للحفاظ على مصالحها، وخطوط إمدادها في إيران".