يفسَّر التهافت من جانب رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري على عتبات النجف كمحاولة الأحزاب والجماعات الشيعية العراقية، سواء الجناح السياسي أو العسكري، خطب ود الحوزة ومباركة المرجعيات في مسعى لتخدير الشارع العراقي وكسب ولاءاته على حساب الصالح العام.
فبعد تراجع البرلمان العراقي عن تفويض رئيس الوزراء، حيدر العبادي، بالإجراءات اللازمة لتحقيق الإصلاح ومكافحة الفساد، لم يجد الأخير مفرا إلا للهرولة نحو المرجعيات الدينية، بحثا عن دعم لمشروعه، لخطب ود الشارع العراقي لما تحمله من تأثير في أروقة العامة من الشعب العراقي والمتنفذين ممن في السلطة أو خارجها في العراق.
فقد أصبحت مرجعية النجف ذات نفوذ في السياسة العراقية، خاصة عقب إطاحة النظام السابق في عهد صدام حسين، رغم أنها كانت مرتبطة بأذهان العراقيين، الشيعة منهم، في الاجتهادات الفقهية والشرعية، إلا أنها بدأت في فرض آرائها السياسية في كثير من الأحيان بسبب النفوذ الذي تتمتع به داخل الشرائح الشيعية.
ويرى مراقبون أن الاحتجاجات العارمة التي شهدتها مدن وبلدات العراق خاصة في الجنوب هي أشبه ما تكون بأزمة مضمرة وصراع خفي بين مرجعيتين؛ إحداها في النجف متمثلة بمرجعيتها علي السيستاني والتي تدعم العبادي، وأخراها في قم متمثلة بولاية الفقيه وعلي خامنئي والتي تميل كل الميل لنوري المالكي.
فرغم الدعم الذي قدمته مرجعية النجف في انتخابات عام 2005 للقائمة الانتخابية التي غلب على سواد لونها "نخب" شيعية من الساسة في العراق، إلا أن هذه الرموز بقيادة المالكي كانت تدين بالولاءات التامة لخارج العراق والتبعية لولاية الفقيه في "الجارة" إيران، إضافة إلى ملفات النهب والاختلاس والفساد التي باتت تلطخ سمعة تلك الرموز التي دعمها النجف.
واسترعى الأمر حوزة النجف إلى خلط الأوراق لدرء شبهة دعم الفساد من جهة وللتخفيف من النفوذ الإيراني في العراق من جهة أخرى عبر تقديم التوجيهات للعبادي وحكومته من خلال ابن السيستاني محمد رضا للتخلص من المالكي وتركته المشوبة بالفساد.
ففي أغسطس من هذا العام، أصدر العبادي قراراته الإصلاحية، وبمباركة النجف، والتي تتضمن إقالة نوري المالكي ورموز أخرى بدعوى تورطه في ملفات الفساد ومسؤوليته عن سقوط الموصل بيد داعش، بهدف تقويض أي مشروع إيراني لإيجاد بديل لمرجعية قم في العراق، كما أنه يعد رفضا لولاية الفقيه التي ركب موجتها الخميني.
كما حاول العبادي، وبموافقة الحوزة أيضا، على جملة من التصفيات في المؤسسة العسكرية العراقية بغية تخفيف وطأة النفوذ الإيراني وعلى وجه الخصوص التدخل العسكري لطهران في العراق من خلال الميليشيات النافذة التي تأتمر بقرارات الجنرال الإيراني قاسم سليماني لإنفاذ أجندة إيران السياسية بالقوة على الساحة العراقية.
ورغم عدم دستورية القرارات التي تصدر من النجف إلا أنه أصبح ملاذا للساسة، حيث لجأ العبادي إلى الحوزة في النجف لمباركة جملة من القرارات أقرتها الحكومة وما واجهته من معارضة شرسة من أطياف سياسية أخرى تدين بولاءات لخارج العراق، وتحديدا إيران.
فبعد حرب الخليج الأولى في عام 1991، أصبحت المؤسسات المدنية في العراق عرضة للتآكل والانهيار في جنوب وشرق البلاد، مما دفع بمرجعية النجف إلى أخذ زمام المبادرة ولعب دور كجبهة معارضة لنظام البعث حتى سقوطه في 2003 لينبري كقطب في الساحة السياسية.