يذكر النائب العراقي أحمد الجلبي، مع الاهتمام الدولي بخبر وفاته، بأنه من اقنع الأميركيين بغزو واحتلال العراق. إلا أن الرجل خلف تركة أوسع من ذلك، سياسيا وماليا، أهمها شبهات عديدة بملفات وقضايا فساد واختلاسات ونهب أموال الشعب العراقي قد لا يطويها مماته، إضافة إلى علاقته بطهران ودوره في تعزيز النفوذ الإيراني في العراق بعد الغزو.

فأبرز قضايا السلب والنهب التي تطارد الرجل، ما أوردته وسائل إعلام محلية عراقية نقلا عن قائد سرية الحماية التابعة للجلبي عقب سقوط نظام صدام حسين، وقيامهم بنهب الأموال في البنك المركزي العراقي وسرقة مئات الملايين من العملات الصعبة الموجودة في خزينة البنك وتسليمها للجلبي.

كما أشار أيضا إلى أن قوة الحماية توجهت إلى المتحف العراقي واستولت على عدد من الآثار وسلمتها إلى الجلبي في نادي الصيد في بغداد من أجل إعادة الأموال والآثار فيما بعد لأي حكومة منتخبة في المستقبل.

وكملك غير متوج آنذاك، تحدثت أوساط عراقية عن تأسيس أفراد من عائلة الجلبي لشركة تعاقدت بمبالغ ضخمة مع وزارة الداخلية العراقية لإصلاح الآليات التابعة لها، إضافة إلى توقيع عقود ضخمة أخرى مع مؤسسات حكومية بملايين الدولارات.

وأفادت تقارير أخرى في الفترة الأخيرة بسرقة الجلبي وحاشيته أكثر من 200 مليون دولار من مصرف الرافدين في بغداد ومصارف أخرى في العراق وعلى فترات متلاحقة لصالح الجلبي وأفراد عائلته.

وإضافة إلى المصارف في العراق وغيرها، اتهم الجلبي وبمباركة من رئيس الحكومة العراقية آنذاك نوري المالكي بالاستيلاء على عقارات ذات ملكية عامة وخاصة، ومن بينها ممتلكات في حي المنصور ببغداد، إضافة إلى المناطق التي كان يقطنها عناصر مجاهدي خلق المعارضة لنظام طهران.

ومن قضايا الاختلاسات الأخرى في حياة الرجل في الخارج،  ما يعرف في الأردن بأزمة بنك البتراء تم اختلاس نحو 300 مليون دولار من النبك، حيث شغل الجلبي رئيسا لمجلس إدارته منذ عام 1982، إلى أن تمت تصفيته في 1989، وأدين الجلبي بالتهم وحكم عليه غيابيا آنذاك بالسجن لـ22 عاما بجرائم الاحتيال وإساءة الائتمان.

عراب ملالي طهران

ورغم عدم تمتعه بالشعبية السياسية والحظوة لدى العراقيين إبان نظام صدام حسين وحتى بعد سقوطه، إلا أنه كانت هناك علاقات حميمة تربط الجلبي مع طهران، مما حدا بالولايات المتحدة الأميركية إلى الالتفاف عليه وتلقفه بسبب الحاجة الماسة لمعلومات استخبارية عن النظام العراقي في عهد صدام.

وقد تم عقد لقاءات متواصلة مع الجلبي في لندن منذ 1990 بهدف إطاحة النظام العراقي، ويذكر من كان يزور مركز وايتليز التجاري الشهير في وسط العاصمة لندن المستقطبين من أطياف تيارات معارضة ممن كان الجلبي واسطة تمويلهم أميركيا، وكيف كانوا "يسبون عليه" دوما متهمين إياه بأخذ "مئات الملايين من الأميركان ولا يرسل سوى الفتات".

وقام الجلبي وقتها بتشكيل حزب تحت مسمى المؤتمر الوطني برئاسته.

وفي عام 2001، أنشأ الجلبي خلال زيارة له لطهران مكتبا لحزبه بتمويل إيراني، بالإضافة إلى الدعم الذي كان يتلقاه من الجانب الأميركي وصل لعشرات الملايين من الدولارات كمساعدات مالية لتمويل أنشطة المؤتمر وتدريب قوات تابعة له في معسكرات في هنغاريا.

وقام الجلبي حينها بتزويد واشنطن بتقارير أمنية مفبركة إيرانيا. ومن بين تلك التقارير، تقرير أعده إيرانيا عن أسلحة الدمار الشامل التي زعم أن النظام يمتلكها آنذاك لتقرر الولايات المتحدة لفظ الجلبي والتخلي عنه بسبب الحرج من علاقاته المشبوهة مع إيران.

وحاول الجلبي استمالة العمامات السوداء وركوب الموجة الطائفية من خلال تأسيس ما سمي بالبيت الشيعي كواجهة سياسية هدفها بث الوباء الطائفي في أرجاء البيت العراقي.

وفي محاولة أخرى منه شكل ما يسمى بالمجلس الشيعي السياسي يسعى فيه لإقصاء السيستاني عبر تحالفه مع محمد باقر الحكيم وتعاونه مع ميليشيا فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

ورغم عدم تمتعه بأي جماهيرية، إلا أن طهران كانت تحاول تلميعه لخلافة نوري المالكي كرئيس للوزراء، خاصة في ظل فقدان المالكي لخيوط اللعبة في طهران وأنه لم يعد يخدم المصالح الإيرانية في العراق، إضافة لدوره كوسيط مزدوج بين واشنطن وطهران خاصة في ظل مفاوضات البرنامج النووي الإيراني.

إلا أنه سرعان ما تلاشى حلم خلافة الجلبي للمالكي بتولي رئاسة الوزراء، لكنه بقي متصدرا في الساحة السياسية في العراق في الكثير من مشاهدها بوصفه "مهندس الحرب على العراق".