لارا حسن

"لو أن باب الهجرة مفتوح أمامنا وبطريقة شرعية لما بقيّ إلا القلة القليلة منا في البلد"، بهذه الكلمات يصف تشارلي وضع مسيحيي سوريا بعد سنتين من الحرب الطاحنة التي ابتلعت أكثر من 100 ألف قتيل.

يضيف تشارلي، 29 عاما، لموقع سكاي نيوز عربية "من بقي في سوريا فغالبيته مجبر.. لا مال للمغادرة"، يستدرك قائلا "بالتأكيد هناك من يرفض مغادرة البلاد.. لكنهم قلة قليلة".

ويبلغ عدد المسيحيين في سوريا قرابة المليون والنصف وفقا لأحد المصادر الحكومية، وهم يتوزعون على مختلف المناطق والمحافظات السورية، وعن ذلك يقول تشارلي "بحكم عددنا القليل والحرب الموجودة في البلاد فإننا مهدوون بالانقراض".

ويشرح لموقعنا عن الأماكن المتأزمة التي يتواجد فيها المسيحيون ابتداءا من المسيحيين السريان والآشور في إدلب، التي تسيطر عليها الكتائب المتشددة، والذين منهم من هاجر ومنهم من هو عاجز عن ذلك فبقي في منزله وهو لا يعلم ما قد يحل به.

كما يوجد مسيحيو الحسكة الذين ارتهن وجودهم بوجود الفصائل الكردية المقاتلة، إلى جانب حصار مسيحيي مدينة حلب شمالي البلاد.

يقيم تشارلي حاليا في أحد أحياء العاصمة اللبنانية بيروت ويعمل مهندسا للكومبيوتر، وهو ينتمي للأقلية المسيحية في سوريا والتي تقطن في حي الحميدية أحد أحياء حمص القديمة.

غادر تشارلي حمص أواخر 2012 في صفقة بين المعارضة المسلحة التي تسيطر على حي الحميدية وبين القوات الحكومية ويقول ضاحكا "كان ثمني شحنة خضراوات".

ويوجد في حي الحميدية حتى الآن قرابة الـ 100 شخص منتمين للديانة المسيحية لا يمكنهم الخروج بسبب الحصار المفروض عليهم من قبل القوات الحكومية والمعارضة معا، وفقا لذات المصدر.

وسيطرت المعارضة المسلحة على أحياء حمص القديمة عقب انسحاب القوات الحكومية منها بالتزامن مع إعلان "الانسحاب التكتيكي" للجيش الحر من بابا عمر، وفقا لتشارلي.

سفرت ابني كي.. يحيا

بغصة جلية على صوته يقول جورج، مسيحي من دمشق (62 عاما)، إنه عمل على تسفير ابنه الوحيد إلى ألمانيا عند أخواله كي "يحمي حياته".

ويقول جورج، الذي يعمل في أحد الدوائر الحكومية في العاصمة دمشق "عندما وقع تفجير جرمانا الذي قتل 20 شخص وإصابة أكثر من 70 آخرين.. كانت ابنة أخي وابنة أختي هناك.. أصيبتا إصابات بالغة.. حاولت الاتصال بابني إلا أن هاتفه كان خارج التغطية.. جننت وبكيت.. كدت أموت من الخوف فقد ظننت أني خسرت ابني الوحيد".

بعد أكثر من 3 ساعات تلقى جورج اتصالا من ابنه، الذي يدرس في كلية الحقوق، ليخبره أن شبكة المحمول كانت مقطوعة عن جهازه الخليوي وأنه كان يريد أن يطمئن والديه لكنه لم يستطع.

ووفقا لجورج فإن هذه الساعات القليلة مرت عليه كالدهر ومرت بباله آلاف الأفكار السوداء وحتى أنه تخيل "قداس ابنه الميت".

هجرة شرعية وغير شرعية

بمبلغ قدره 15 ألف يورو وصل شربل إلى السويد بأمان.. "هناك طرق أرخص لكنها خطرة.. أحد أصدقائي مات غرقا وهو في طريقه إلى جزيرة إيطالية في البحر المتوسط" حسب قوله.

يقول شربل (35 عاما) لموقعنا "أغلب من أعرفهم يريدون السفر.. كثيرة هي المعوقات أمامهم من حساب البنك الذي يتم طلبه إلى العقوبات التي شملت السوريين وأصبحت عائقا أمامهم تحول دون ذهابهم حتى ضمن فيزا سياحية إلى أي بلد أوروبي".

وتمكن شربل مؤخرا من استقدام زوجته وأطفاله الثلاثة وفقا لقانون "لم الشمل"، ويقول شربل "ابن عمي سيصل اليوم إلى اليونان بطريقة غير شرعية عبر البحر.. أدعو له الوصول بالسلامة".

وشربل، طبيب (44 عاما) هو أحد سكان حي باب توما القديم بقلب العاصمة دمشق، ترك عيادته وسافر خارج البلاد لتأمين نفسه وعائلته.

يقول شربل "تحمي القوات الحكومية محيط حي باب توما ويعمل شبابنا ضمن اللجان الشعبية لحماية الأحياء من الداخل ولحماية العائلات.. إلا أن هذا لا ينفع أمام قذائف الهاون التي تسقط بشكل يومي وعشوائي علينا".

يضيف "كثير من أقاربنا أصيبوا بالقذائف.. وقلنا لأنفسنا سنعتاد على ذلك إلا أنه وبعد استشهاد ابنة أخي بتفجير ساحة المرجة لم أتمكن من البقاء أكثر.. دائرة الموت باتت أصغر.. باتت تهدد بناتي.. عندها فقط قررت الرحيل".

يؤكد شربل أنه لافرق بين الجيش الحر أو الكتائب المتشددة فكلاهما مشروعه إسلامي ولا يتناسب مع الدين المسيحي.

ورغم أن شربل استقر وعائلته في السويد إلا أنه يقول "ما أن يعود الأمان إلى سوريا فهو وعائلته سيعودون"، على حد قوله.

خوف من حرب طائفية

رغم تواتر القصص عن قتل على خلفية طائفية إلا أن مسيحيون من الداخل السوري لا يشعرون بأن الخطر المحيق ذو صبغة طائفية وإنما يرونه حرب مستعرة قد تتحول في حال سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى حرب طائفية.

هذا ما يراه عيسى (36 عاما) وهو من سكان حي القصاع بدمشق فيقول "أغلبية المسيحيين مع النظام والمناطق التي يقطنونها غالبيتها تحت سيطرته ونحن نخاف من موقفنا السياسي الموالي له وليس من انتمائنا الديني".

ويضيف "بحال صار الحكم في البلاد إسلاميا فإن الوضع سيكون سيئا جدا وسيؤدي بالمطلق إلى حرب طائفية.. النظام هو الضامن لعدم تحول الحرب في سوريا إلى نزاع طائفي".

ويكشف عيسى لموقعنا أن النظام يقوم بحماية مناطق تواجد الغالبية المسيحية من الخارج فيما يقوم شبابهم بحماية الأحياء من الداخل من خلال ما أسماه اللجان الشعبية.

ويختم عيسى حديثه معنا بقوله "من يشعر بالخطر يريد الخروج بالسرعة القصوى.. قبيل التهديدات بالضربة العسكرية المرتقبة على بلادنا خرجت الكثير من العائلات إلى لبنان.. لكنهم جميعا قالوا أنهم سيعودون".