مع أن الحكم في سوريا جمهوري، إلا أنه لرئيس الجمهورية السلطة العليا في اتخاذ القرارات السياسية الخارجية والداخلية المهمة، وهو من يقوم بتعيين رئيس الوزراء بموجب مرسوم جمهوري.

ومع ذلك، شهد التاريخ السوري الحديث فترات كان لرئيس الوزراء فيها سلطة ونفوذاً كبيران، قبل أن يحسم وزير الدفاع آنذاك، حافظ الأسد، الأمر نهائياً لمصلحة رئيس الدولة إثر قيامه بما سمي بالحركة التصحيحية داخل حزب البعث الاشتراكي الحاكم في سوريا ومن ثم توليه منصب رئيس الجمهورية في مارس 1971.

مر على سوريا منذ جلاء القوات الفرنسية عنها عام 1939، 55 حكومة، منها 28 حكومة حتى إعلان الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961، و20 حكومة خلال فترة حكم حزب البعث.

خالد العظم

ولعل أبرز رئيس وزراء لسوريا في فترة الاستقلال، خالد العظم الذي شكل 6 حكومات من بين 28 حكومة سبقت تولي حزب البعث مقاليد حكم البلاد.

شكل خالد العظم، وهو سليل عائلة دمشقية عريقة وأحد كبار الإقطاعيين في سوريا، أول حكومة في البلاد بعد جلاء القوات الفرنسية عن البلاد، واستمرت من 4 إبريل 1941، حتى 21 سبتمبر 1941، أما آخر حكومة شكلها العظم فكانت من 17 سبتمبر 1962 لغاية 9 مارس 1963.

إلى جانب توليه هذا المنصب، شغل العظم مناصب وزارية أكثر من 20 مرة، لكنه في نهاية المطاف اضطر إلى مغادرة سوريا إلى لبنان بعد مجيء حزب البعث إلى السلطة ومصادرة كافة أملاكه.

كان العظم نموذجاً للرأسمالية السورية والليبرالية السياسية والإسلام المعتدل، كما ظل يمارس السياسة بوصفه مستقلاً بعيداً عن الأحزاب السياسية ، لكن هذا لم يمنع الأحزاب اليسارية السورية في تلك الفترة من إطلاق لقب "المليونير الأحمر" عليه.

وخالد العظم من بين الزعماء السوريين الذين عارضوا مشروع الوحدة مع مصر  وهو من صاغ وثيقة الانفصال عن مصر لاحقاً، بالإضافة إلى أنه من دشن التحالف السوري السوفياتي. وألغى الامتيازات الأجنبية في سوريا في أول حكومة وطنية بعد الاستقلال.

فارس الخوري

يعد فارس الخوري، المسيحي البروتستانتي، الذي شكل الحكومة السادسة بعد الجلاء الفرنسي، واحداً من أبرز رجال السياسة السوريين.

تعرض الخوري، الذي انتخب عام 1914 نائباً عن دمشق، في مجلس المبعوثان العثماني للسجن والاعتقال في عهد جمال باشا سنة 1916 بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، لكنه بُرئ ونفي إلى استانبول.

بعد عودته إلى دمشق وانفصال سوريا عن الحكم العثماني، تم تعيينه عضواً في مجلس الشورى الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه.

احتجاجاً على استبداد السلطة الفرنسية إبان الانتداب، أسس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب، وتم اعتقاله على أيدي السلطات الفرنسية غير مرة.

من أبرز مواقفه السياسية، التي نالت على إثرها سوريا استقلالها عن فرنسا وتم جلاء آخر جندي من القوات الفرنسية عن البلاد.

فقد دخل الخوري مقر الأمم المتحدة قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق وجلس في مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة.

وعندما دخل المندوب الفرنسي، ووجد فارس الخوري يحتل مقعد فرنسا في الجلسة، طلب إليه إلى مقعد سوريا، غير أن الخوري لم يحرك ساكناً، بل ظل ينظر إلى ساعته، ما أثار حنق المندوب الفرنسي، وكاد الأخير يدك عنقه.

وبعد مضي 25 دقيقة، تحرك الخوري من مقعد فرنسا قائلاً: "سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة 25  دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً، سوريا استحملت سفالة جنودكم 25 سنة، وآن لها أن تستقل".

وفي هذه الجلسة نالت سوريا استقلالها وتم جلاء آخر جندي فرنسي عنها.

رئيس الوزراء السوري الأسبق محمد ناجي عطري

حكومات حزب البعث

ومنذ سيطرة البعث على الحكم في سوريا حتى الآن، تشكلت 20 حكومة، أولها حكومة صلاح الدين البيطار الأولى، وآخرها حكومة عمر غلاونجي، الذي تم تعيينه بصورة مؤقتة إثر انشقاق رئيس الوزراء المعين رياض فريد حجاب.

ويعد صلاح الدين البيطار من بين أبرز رؤساء الوزراء السوريين في هذه المرحلة، حيث تولى المنصب ثلاث مرات، الأولى منذ 9 مارس 1963، ولغاية 12 نوفمبر 1963، والثانية من 13 مايو 1964 ولغاية 3 أكتوبر 1964، والثالثة من 1 يناير 1966 لغاية 23 فبراير 1966.

ومن أبرز رؤساء حكومات هذه الفترة، عبد الرؤوف الكسم، الذي ظلت حكومته صامدة فيها سبع سنوات، من 1980 لغاية 1987.

محمود الزعبي

تعتبر حكومة محمود الزعبي، في الفترة من الأول من نوفمبر 1987 ولغاية 13 مارس 2000، أطول الحكومات السورية عمراً، غير أن نهايته كانت مأساوية، بعدما انتهت بإقالته واتهامه بالفساد، ومن ثم انتحاره.

انتخب الزعبي رئيساً لمجلس الشعب في نوفمبر 1981 وظل كذلك حتى فبراير1987، وبعد شهور، وتحديداً في الأول من  نوفمبر من العام نفسه، خلف عبدالرؤوف الكسم، وظل رئيساً للحكومة حتى 7 مارس 2000، حيث قدم استقالته بسبب اتهامات بالفساد وسوء الإدارة.

وبعد شهرين تقريباً، قرر حافظ الأسد طرد الزعبي من حزب البعث نتيجة تفشي الفساد في حكومته لدرجة باتت تهدد النظام، كما قرر محاكمته بسبب فضيحة طائرات إيرباص الفرنسية، حيث وجهت الاتهامات رسمياً إلى الزعبي وعدد من كبار الوزراء بتقاضي عمولات غير مشروعة من صفقة طائرات إيرباض تقدر بنحو 124 مليون دولار أميركي.

وفي 21 مايو 2000، وبينما كان الزعبي تحت الإقامة الجبرية في منزله، انتحر بطلقة نارية حتى لا يواجه المحاكمة، غير أن كثيرين شككوا في انتحاره، ويقولون أن المخابرات قامت بتصفيته بعدما هدد بكشف كل صفقات الفساد مع المتورطين فيها.

غير أن الرواية الرسمية قالت إن الزعبي انتحر بعد أن علم أن قائد الشرطة وصل إلى منزله ليسلمه إشعاراً قضائياً يطلب منه المثول أمام قاضي التحقيق للرد على تهم الفساد.

وبعد 3 أسابيع من وفاته توفي حافظ الأسد في 10 يونيو 2000 م وتولى نجله بشار الحكم بعده.

,تشكلت معظم الحكومات في عهد الأسد الأب، باستثناء آخر 4 حكومات تشكلت في عهد بشار الأسد.

وكان أول رئيس وزراء في عهد بشار، محمد مصطفى ميرو، الذي استمر في منصبه حتى 10 سبتمبر 2003، عندما تم تعيين محمد ناجي عطري ليقود الحكومة الثانية في عهد بشار.

رياض حجاب ـ أرشيف

محمد ناجي عطري

استمرت حكومة عطري من 10 سبتمبر 2003 لغاية 29 مارس 2011، لتلقى نهايتها بعد أيام قليلة على إثر اندلاع الانتفاضة في سوريا في الخامس عشر من مارس 2011.

وقد أجريت عليها منذ تشكيلها 5 تعديلات وزارية في أعوام 2007 و2008 و2009.

وشغل عطري عدة مناصب قبل توليه رئاسة الوزراء، منها رئيس مجلس الشعب، ومحافظ حمص.

ومنذ انتفاضة سوريا في مارس 2011، تمت إقالة حكومة عطري، وتعيين عادل سفر، وخدم في المنصب بين 4 أبريل 2011 ولغاية 23 يونيو 2012، ثم رياض فريد حجاب، وخدم في المنصب إثر الانتخابات البرلمانية الأخيرة في سوريا، وتولى المنصب من 23 يونيو 2012 ولغاية 6 أغسطس 2012، حيث فرّ إلى الأردن وأعلن انشقاقه عن النظام في دمشق، ليصار إلى تعيين غلاونجي بصورة مؤقتة منذ 6 أغسطس الجاري.