محمد حوامدة

عبر تاريخ تونس القديم والمعاصر لم تكن مقبرة الجلاز، المطلة على العاصمة التونسية بمساحتها الفسيحة أعلى ربوة بارزة، مجرد مرقد لمن وافتهم المنية من التونسيين لأسباب شتى، بل هي مكان ذو تاريخ مشبع بالرمزية كتب بعضه في الماضي، و مازال إلى اليوم يشهد تتمة سطور فيه لا يعلم أحد منتهاها.

وتسمى هذه المقبرة، بمقبرة الجلاز أو "الزلاج" باللهجة العامية التونسية، و هي المقبرة الرئيسية في مدينة تونس، وتقع على المدخل الجنوبي لها، ويؤدي إليها باب عليوة، وهي منطقة متاخمة للعاصمة التونسية تتسم بالحيوية لاحتوائها على المستشفى العسكري بتونس بالإضافة إلى مرافق أخرى.  

وتمتاز مقبرة الجلاز بكبر مساحتها الدائرية التي يحفها سور أبيض يسمح برؤية انتشار القبور فيها على مد البصر حتى تعانق أعلى تلة بهذا المكان.

ولهذه المقبرة قيمة تاريخية كبيرة، وكذلك روحية عند كل التونسيين، فهي مقبرة عريقة تعود إلى العهد الحفصي، وتنسب إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر بن تاج الدين الزلاج، وهو أصيل قرية فوشانة القريبة من تونس والمتوفي عام 1205.

ذاكرة نابضة

وقد وورى الثرى بمقبرة الجلاز عدد كبير من أعلام تونس في العهد المعاصر، لذلك ينظر إليها التونسيون كأحد دفاتر تاريخهم، حيث ترقد هناك أسماء محفورة في الذاكرة الجماعية التونسية من أمثال علي باش حانبة، وهو صحفي ورجل سياسي تونسي، كان من مؤسسي حركة الشباب التونسي زمن مناهضة الاستعمار الفرنسي.

وكذلك عبد العزيز الثعالبي، وهو من الأعلام الوطنية والإصلاح في تونس زمن الاستعمار أيضا، والمنصف باي، وهو آخر البايات الحسنيين في تونس، وتوفي في منفاه بفرنسا عام 1948، وأحمد التليلي والمنجي سليم والحبيب ثامر وعلي بن عياد ومحمود الماطري والباهي الأدغم وإبراهيم المحواشي، وغيرهم من رموز الوطنية والعلم والنهضة الاجتماعية والبناء في تونس زمن الاستعمار وبعد الاستقلال.  

كما يحتوى جزء هام من تاريخ تونس المقترن بالنضال الاستقلالي، على أحداث كانت مسرحها مقبرة الزلاج، وسميت حتى باسم هذا المكان، حيث شهدت هذه المقبرة مواجهات وصدامات مع المستعمر الفرنسي في ما عرف بأحداث الجلاز في نوفمبر 1911.

وبالإضافة إلى مكانتها التاريخية التي حفظت هيبتها في قلوب التونسيين والذاكرة المجتمعية هناك، فإن هذا المكان لطالما حف بقيم روحانية في وجدان التونسي، حيث كانت لهذه المقبرة على الدوام ومنذ بدايتها مكانة دينية كبيرة.

فقد خصصت لمتوفي عائلات مدينة تونس ولبعض العلماء والصالحين والمقرّبين من الحاكم دون غيرهم، وخاصة أصحاب الولي أبي الحسن الشاذلي الذي بني له مقام في جبل التوبة المطلّ على المقبرة.

ولعل هذه المكانة التارخية والروحانية جعلت لهذه المقبرة قيمة لدى التونسيين وطقوس زيارات خاصة لمرقد الولي أبى الحسن الشاذلي، وذلك بإقامة حضرات وذبح وتقديم ولائم هناك، وشراء حلويات تقلدية، وتوزيعها تبركا بالمكان، حيث تزار مقبرة الجلاز في تونس فقط لقراءة ما تيسر من القرآن على أحبة فقدهم أخلائهم.

وإنما أيضا في بعض المناسبات السعيدة كالأفراح من خلال اصطحاب بعض العائلات للعروس لزيارة المرقد تبركا بالمكان قبل عقد القران وكذلك الأطفال قبل ختانهم.

واليوم تفتح مقبرة الجلاز صفحة جديدة من بين صفحات دفترها الذي تبين أنه لم يغلق بعد، لتكتب أحداث ارتبطت بأسماء انضمت لسجل الموجودين داخل أسوارها وتحت ثراها، من أمثال المعارض التونسي شكري بلعيد و محمد البراهمي، اللذان نشطت ذاكرة هذا المكان بدخولهما تحت مظلتها، لتدون هذه المقبرة للأجيال القادمة أحداث غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وريت فيها أجساد الثرى، لكن ستظل محفورة في الذاكرة المقبرة المتربعة على عرش سجل الأحداث في تونس اليوم.