في خطوة تعزز مسار المساءلة الدولية والتحقيق المستقل في الانتهاكات المرتكبة في السودان، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اليوم الاثنين، قرارا يجدد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق لمدة عام، بأغلبية 28 صوتاً مقابل 10، وامتناع 9 دول عن التصويت.
واعتمد المجلس القرار بالرقم A/HRC/RES/63/2، تحت عنوان: "الاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح المستمر في السودان"، خلال الجلسة الأربعين للدورة الثالثة والستين للمجلس المنعقدة في جنيف.
ويعكس اتساع التأييد للقرار تمسك غالبية أعضاء المجلس باستمرار التحقيق الدولي المستقل في الجرائم والانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وعدم ترك ملف المساءلة للآليات المحلية الخاضعة لسلطة أحد أطراف النزاع.
وحظي القرار بتأييد 28 دولة، مقارنة بـ24 دولة أيدت تجديد ولاية البعثة في العام الماضي، ما يمثل تعزيزا عدديا وسياسيا للدعم الدولي الممنوح للبعثة، في وقت كثفت فيه سلطة بورتسودان وحلفاؤها تحركاتهم لإنهاء ولايتها أو استبدالها بلجنة تحقيق وطنية.
عام إضافي لتعزيز المساءلة الدولية
وينص القرار على تمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق لمدة عام، ويطلب منها تقديم إحاطة شفوية إلى الدورة الخامسة والستين لمجلس حقوق الإنسان، يعقبها حوار تفاعلي مع مشاركة ممثل عن المجتمع المدني، ثم تقديم تقرير شامل إلى الدورة السادسة والستين وإلى الدورة الثانية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
كما يطلب القرار من المفوض السامي لحقوق الإنسان، بمساعدة الخبير المعين بشأن السودان، تقديم تقرير شامل إلى الدورة السابعة والستين للمجلس عن أوضاع حقوق الإنسان والانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع.
ويحافظ القرار بذلك على مسار رقابة دولية متواصل يمتد من مجلس حقوق الإنسان إلى الجمعية العامة، ويمنع إغلاق ملف الانتهاكات أو حصر التحقيق فيها داخل مؤسسات تابعة للسلطة العسكرية في بورتسودان. ورغم إشارته إلى لجنة التحقيق الوطنية، فإنه لم يمنحها وضع البديل عن البعثة الدولية، بل أكد أهمية التكامل بين الآليات الوطنية والإقليمية والدولية.
وأدان المجلس الانتهاكات التي ارتكبها الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والقوات والمجموعات المتحالفة معهما، بما في ذلك الهجمات العشوائية ضد المدنيين، والقصف الجوي وضربات الطائرات المسيّرة، وتدمير المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، والقتل خارج نطاق القضاء، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب والعنف الجنسي والتجنيد غير القانوني للأطفال وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وشدد القرار على أن بعثة تقصي الحقائق توصلت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الجيش والدعم السريع ارتكبا انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن بعض هذه الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب.
كما أدان بقوة الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، بما فيها عمليات الإعدام الجماعي والاستهداف على أساس عرقي والتعذيب والعنف الجنسي والاختطاف، مشيرا إلى أن بعثة تقصي الحقائق خلصت إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وقف الحرب والانتقال إلى حكومة مدنية
وأكد مجلس حقوق الإنسان أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية، مجددا دعوته إلى وقف فوري وكامل لإطلاق النار من جميع الأطراف ومن دون شروط مسبقة، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبته، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة بمشاركة القوى المدنية والنساء والشباب، تقود إلى حكومة منتخبة بعد فترة انتقالية مدنية.
وفي موقف مهم من الأطراف التي تغذي الحرب من الخارج، أدان القرار جميع أشكال التدخل الخارجي، بما فيها توريد الأسلحة والمعدات العسكرية، ونشر عناصر أجنبية تشارك في العمليات أو تدعمها، واستخدام المرتزقة وشبكات التمويل غير المشروعة وتوفير التدريب والدعم اللوجستي وتقنيات الطائرات المسيّرة.
ودعا الدول والجهات الخارجية لوقف الدعم العسكري والمادي لجميع أطراف الحرب في السودان.
وشدد القرار على أن المساءلة تمثل عنصرا أساسيا لأي حل مستدام، داعيا إلى إجراء تحقيقات عاجلة ومستقلة ومحايدة وشفافة في جميع الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها عبر كامل سلسلة القيادة والمسؤولية، وحفظ الأدلة والوثائق تمهيدا لاستخدامها في المحاكمات وطلبات التعويض والإنصاف مستقبلا.
وأشار إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المحكمة الجنائية الدولية، وإلى دعوة بعثة تقصي الحقائق لتوسيع اختصاص المحكمة من دارفور إلى جميع أنحاء السودان، بما يضمن عدم بقاء الجرائم المرتكبة خارج دارفور بمنأى عن العدالة الدولية.
وصوتت ضد القرار كل من مصر وبوروندي والصين وكوبا وإندونيسيا والعراق والكويت وباكستان وقطر وفيتنام، بينما امتنعت أنغولا وبنين وساحل العاج والكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وغانا والهند وكينيا وتايلاند عن التصويت.
في المقابل، دعمت القرار دول أفريقية بارزة، بينها جنوب أفريقيا وغامبيا ومالاوي وموريشيوس، إلى جانب غالبية الدول الأوروبية وعدد من دول أميركا اللاتينية وآسيا والمحيط الهادئ.
ويمنح اعتماد القرار بعثة تقصي الحقائق عامًا إضافيًا لجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات وتوثيق شبكات الدعم الخارجي، ويوجه رسالة واضحة إلى أطراف الحرب وداعميها مفادها أن الجرائم المرتكبة في السودان لن تُطوى بمرور الوقت، وأن محاولات إغلاق مسار التحقيق الدولي لم تنجح أمام اتساع التأييد لاستمرار المساءلة وحماية حقوق الضحايا.