تتجاوز زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن إطارها الدبلوماسي التقليدي، لتتحول إلى محطة مفصلية تختبر قدرة الحكومة العراقية على ترجمة تعهداتها إلى خطوات عملية في ملفات تعد الأكثر حساسية داخليا وخارجيا، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وإعادة صياغة العلاقات مع الولايات المتحدة في مرحلة تسبق استحقاق نهاية سبتمبر، الذي يتزامن مع انسحاب القوات الأميركية وفق الاتفاق المبرم.

وبينما ترى أطراف عراقية في الزيارة فرصة لترسيخ مفهوم الدولة، تحاول فصائل موالية لإيران، بحسب ما طُرح خلال النقاش، التشويش على مسارها خشية أن تفضي إلى تفاهمات تمس نفوذها.

زيارة الزيدي إلى واشنطن تصطدم بـ"فينو الفصائل"

الزيدي يعرف جميع الأطراف ولا مجال للمنطقة الرمادية

يرى الخبير العسكري والإستراتيجي أعياد الطوفان خلال حديثه إلى "غرفة الاخبار" على "سكاي نيوز عربية" أن خصوصية رئيس الوزراء العراقي تنبع من خلفيته الاقتصادية والتجارية، مؤكداً أنه لم يصل إلى المنصب عبر الفوز في الانتخابات أو عبر حزب سياسي، بل يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف أطراف العملية السياسية، بما يشمل الأحزاب والشخصيات والفصائل المسلحة، بحكم نشاطه الاقتصادي ومعرفته الطويلة بهذه البيئة.

ويعتبر الطوفان أن هذه الخلفية جعلت جميع الأطراف على دراية كاملة به، كما أنه يعرف تفاصيل المشهد العراقي بصورة واسعة، وهو ما أسهم، بحسب طرحه، في قبول ترشيحه رغم عدم انتمائه الحزبي وعدم فوزه في الانتخابات.

ويضيف أن الدعم الذي تلقاه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح زيارته إلى واشنطن دلالات إضافية، معتبراً أن هذا الإسناد يوفر له مساحة أكبر من الاستقلالية وحرية الحركة لتنفيذ التعهدات التي تلقاها، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل، وفق توصيفه، البقاء في "المنطقة الرمادية"، بل تفرض خيارات واضحة.

حصر السلاح... اختبار الدولة قبل نهاية سبتمبر

يربط الطوفان ملف حصر السلاح بالمهلة التي تنتهي في الثلاثين من سبتمبر، والمتزامنة مع موعد انسحاب القوات الأميركية، معتبراً أن هذا التطور يسقط، وفق رأيه، الذريعة التي تستند إليها الفصائل المسلحة في استمرار احتفاظها بالسلاح، طالما أن القوات الأميركية ستكون قد غادرت البلاد.

ويؤكد أن إدارة هذا الملف عبر سياسة تأجيل الأزمات أو الاكتفاء بإدارتها، كما حدث مع الحكومات السابقة، لن تحقق النتائج المطلوبة، مشددا على أن المطلوب هو التفاوض وصولا إلى وضع جميع الأسلحة تحت راية المؤسسة العسكرية، بحيث تصبح الدولة وحدها صاحبة السلاح، بما يحفظ أمن المواطنين ويعزز الاستقرار، ويفتح الباب أمام جذب الاستثمارات وتحسين علاقات العراق الدولية، وترسيخ صورة الدولة التي يسود فيها القانون وتحظى فيها الشركات بالحماية.

ويحذر الطوفان من استمرار النهج القائم على إدارة الأزمة دون حسم، معتبرا أن هذا المسار لا يحظى بقبول الشارع العراقي، ولا البيئة الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة، بحسب طرحه، ربطت هذا الملف بسقف زمني واضح، وأكدت عدم وجود استثناءات، بحيث يخضع الجميع لسلطة الدولة ويحملون راية العراق.

كما يذهب إلى أن الفصائل المسلحة لم تعد، وفق رأيه، تشكل تحديا للأمن الداخلي العراقي فحسب، وإنما باتت تمثل أيضاً مصدر قلق للأمن الخليجي والعالمي، مستشهدا بما وصفه باتهامات موثقة من دول خليجية تفيد بأن معظم الهجمات التي تعرضت لها انطلقت من الأراضي العراقية، وهو ما ينعكس سلباً على علاقات العراق بمحيطه العربي.

وفي السياق نفسه، يشدد الطوفان على أن مفهوم السيادة لا يتحقق بالشعارات، وإنما عبر التفاوض والوصول إلى اتفاقات تضمن فرض سلطة الدولة، متسائلاً عن سبب عدم لجوء القوى التي تمتلك الأغلبية البرلمانية إلى إصدار قانون ملزم لإخراج القوات الأميركية، بدلاً من الاكتفاء بقرارات، معتبراً أن القانون وحده هو الذي يفرض التزاماً على السلطة التنفيذية.

استقلال الزيدي يمنحه عناصر قوة

في المقابل، يرفض عضو المرصد الوطني للإعلام وائل الركابي توصيف الطوفان لرئيس الوزراء، معتبراً أن الخلفية الاقتصادية ليست موضع انتقاد، بل أصبحت سمة شائعة لدى كثير من القيادات السياسية في العالم.

ويرى أن عدم انتماء الزيدي إلى أي كتلة سياسية يمثل نقطة قوة لا نقطة ضعف، لأنه يحرره من حسابات المجاملة بين القوى السياسية المختلفة، كما أن إعلانه عدم السعي إلى ولاية ثانية يعكس، بحسب رأيه، أنه لا يتمسك بالسلطة بقدر ما يؤدي مسؤولية أوكلت إليه.

ويضيف الركابي أن العلاقات التي تجمع رئيس الوزراء بالفصائل المسلحة والكتل السياسية يمكن أن تتحول إلى عامل مساعد في إقناع الجهات التي ما تزال تعترض على حصر السلاح بيد الدولة، خاصة مع اقتراب موعد خروج القوات الأميركية في نهاية سبتمبر، وهو الموعد الذي يعتبره محطة مفصلية لبدء مرحلة جديدة.

أخبار ذات صلة

العراق.. مداهمات واعتقالات لمسؤولين سابقين بتهم فساد
التحقيقات مستمرة.. استرداد 375 كيلو غراما من الذهب في العراق

 شراكة مع واشنطن... لا ضغوط متبادلة

ويحدد الركابي ثلاثة محاور رئيسية لزيارة واشنطن، أولها تطوير العلاقة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة، ولا سيما عبر دخول الشركات الأميركية إلى السوق العراقية، وثانيها تقديم ضمانات بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وثالثها مواصلة جهود مكافحة الفساد.

ويؤكد أن استقرار العراق وتحوله إلى بيئة بعيدة عن الفساد سيجذب الشركات الرصينة، سواء كانت أميركية أو من دول أخرى، نافياً أن تكون الزيارة قائمة على تنازلات عراقية أو شروط أميركية، بل يصفها بأنها مرحلة تقوم على لغة التفاهم والمصالح المشتركة، في ظل رغبة أميركية بالاستثمار داخل العراق، مع التشديد على ضرورة استثمار هذه الرغبة بصورة صحيحة.

بين المخاوف والتشكيك... رهان على الثقة الداخلية

ويفرّق الركابي بين المخاوف والتشكيك، معتبرا أن القلق من الملفات الحساسة أمر مشروع، بينما يبقى التشكيك المسبق بكل خطوة أمراً مرفوضاً، داعياً إلى الرجوع إلى الجهات المعنية لإدارة الملفات بدلاً من إطلاق الأحكام المسبقة.

ويشير إلى أن رئيس الوزراء عرض برنامج زيارته إلى واشنطن خلال اجتماع ضم ائتلاف إدارة الدولة وقادة القوى الكردية والسنية والشيعية، وكانت قضية حصر السلاح إحدى أبرز الملفات المطروحة، معتبرا أن تحويل هذا الملف إلى قضية مرتبطة بالأمن القومي العربي يمثل، بحسب رأيه، محاولة لاستثارة العواطف.

ويذكّر بأن العراق تضرر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، كما تعرض للقصف نتيجة دعم بعض الفصائل لإيران خلال الحرب الأخيرة، لكنه يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على تنفيذ الفصائل تعهداتها لرئيس الوزراء، والتزام الأخير بهذه الوعود، إلى جانب التزام الكتل الشيعية، تمهيدا لمرحلة جديدة تبدأ بعد نهاية سبتمبر، يكون عنوانها إعادة بناء الثقة داخل الساحة العراقية، بما ينعكس على علاقات العراق الإقليمية وما يتجاوز حدوده الجغرافية.