في مفترق طرق خطير يقف مستقبل قطاع غزة، حيث تعود قضية سلاح حركة حماس لتتصدر واجهة المشهد السياسي والأمني، ملقية بظلالها الثقيلة على مسار المفاوضات الجارية.

فبين أروقة الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة، اصطدمت جهود الوسطاء بجدار الرفض القاطع للحركة تسليم ترسانتها العسكرية، ليس خوفا من إسرائيل كما يعتقد، بل خشية من رد فعل الشارع الغزي المنهك.

هذا الموقف يفتح الباب واسعا أمام أسئلة وجودية حول رهانات الحركة ومستقبلها في ظل متغيرات إقليمية وداخلية تضيّق الخناق عليها، وتكشف عن عمق الأزمة التي تتخبط فيها.

سلاح حماس يعود إلى الواجهة من جديد

حوار القاهرة.. انهيار عند حاجز السلاح

كشف مصدر فلسطيني خاص إلى سكاي نيوز عربية عن انتهاء جولة الحوار بين الفصائل الفلسطينية في العاصمة المصرية دون إحراز أي تقدم يذكر، مؤكداً أن المحادثات اصطدمت بموقف حماس الرافض بشكل قاطع لتسليم سلاحها إلى الشرطة الفلسطينية التابعة لمجلس السلام.

هذا الجمود يأتي بعد إرجاء الحركة لمشاركتها في الجولة الجديدة بحضور الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، حيث اشترطت "تهيئة الأجواء" قبل الانخراط في مفاوضات تهدف إلى تطوير اتفاق التهدئة، بما يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال خلال فترة التفاوض.

السلاح ليس لإسرائيل.. "درع حماية" من الداخل

في تحليل معمق لجذور الأزمة، يرى الباحث السياسي زيد الأيوبي أن حسابات حماس في الاحتفاظ بسلاحها لا ترتبط بمواصلة المواجهة مع إسرائيل أو ما تسميه "تحرير فلسطين".

وفي حديثه لـ"التاسعة"، وصف الأيوبي هذا السلاح بأنه "وظيفي يخدم أجندات الإخوان المسلمين وإيران"، مستشهدا بتصريحات سابقة لقيادات في الحركة نفسها.

وأكد المحلل أن الدافع الحقيقي خلف هذا التمسك هو "الحفاظ على الذات والسلطة والقيادات في مواجهة الشعب الفلسطيني الناقم على سلوك حماس خلال الفترة الماضية".

تعثر محادثات القاهرة بسبب ملف سلاح حماس

"خسائر تكتيكية"

وجه الباحث السياسي زيد الأيوبي اتهامات لاذعة لقيادة الحركة، متهماً إياها بـ"الاستهتار بدم الشعب الفلسطيني"، ومشيراً إلى أن هذا السلوك مستمر منذ سيطرة الحركة على قطاع غزة عام 2007.

كما لفت إلى الحروب المتعاقبة التي خاضتها الحركة في 2008 و2012 ثم كل سنتين أو ثلاث سنوات تقريباً، معتبراً أنها "مغامرات" تخدم فقط إيران والإخوان المسلمين ولا تخدم الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، أشار إلى ما وصفه بتعبير "الخسائر التكتيكية"، متسائلا عن المقصود بها، في إشارة إلى الضحايا، لافتاً إلى الرقم المعلن الذي يتجاوز 72 ألفا، مؤكداً أن الأعداد الحقيقية أكبر من ذلك.

كما شدد على أن الشعب الفلسطيني "ضاق ذرعاً" بهذه المواقف، وأن هناك اتجاهاً متزايداً لرفض حكم الحركة في قطاع غزة.

وفي تحليله للموقف الإقليمي، استخدم الأيوبي توصيفا قاسيا لوضع حماس لدى أبرز حلفائها. وقال إن إيران تعتبر الحركة مجرد "ورقة انحرقت"، مستدلا على ذلك بعدم تدخل طهران العسكري المباشر للدفاع عن حماس كما فعلت مع حزب الله، وباغتيال رئيس مكتبها السياسي السابق إسماعيل هنية في قلب العاصمة الإيرانية بينما كان "في ضيافة خامنئي".

وأكد أن "إيران باعت حماس والإخوان"، مشيرا إلى أن بعض الدول العربية والإسلامية التي كانت قريبة من الحركة باتت "تبيع وتشتري" في مواقفها، وتصدر تصريحات باسمها بأنها مستعدة للتنازل عن السلاح مقابل ضمان دورها السياسي.

انقسامات حادة داخل حماس.. هذه الأسباب

يونيو.. موعد مع الغضب الشعبي

في تطور لافت، كشف الأيوبي عن بوادر تحرك شعبي مناهض للحركة داخل القطاع، مشيرا إلى وجود "مبادرات ودعوات عفوية شعبية من أهالي غزة يطالبون بالنزول إلى الشارع يوم 26 يونيو القادم، من أجل المطالبة بإسقاط حماس وإنهاء حكمها".

ورأى أن هؤلاء "الأحرار والعفويين" يرون أن سلاح الميليشيات والعصابات التي تحاول الحركة فرض سلطتها من خلالها "أغلى من الشعب الفلسطيني وأغلى من مستقبله".

هذا الحراك الشعبي المرتقب يمثل، بحسب التحليل، الكابوس الحقيقي الذي يفسر تمسك حماس بسلاحها، ليس لمواجهة إسرائيل، بل "لحماية نفسها من الشعب الفلسطيني"، خصوصاً أن الحركة "فقدت حاضنتها الشعبية" ولم يعد يخرج في جنائز عناصرها سوى "عشرات فقط".

وخلص الأيوبي إلى أن خيارات حماس باتت منحصرة في "استخدام حياة المدنيين الأبرياء والأطفال العزل كورقة لضمان بقائها"، مؤكداً أن الحركة ترى أن "إنهاء القضية الفلسطينية أسهل بكثير من إنهاء حماس".

وأضاف أن استمرار هذا الوضع يجعل الحركة "عبئاً على من يحتضنها" من الدول، والأهم أنها أصبحت "عبئاً على الشعب الفلسطيني".

واختتم بالقول إن "الآوان لحماس أن تتحمل المسؤولية الوطنية وتسلم كل شيء لمنظمة التحرير، حتى لا تأتي قوة دولية لتحكم القطاع"، محذراً من أن الحركة التي "خسرت في كل المجالات" تواجه اليوم مصيرها المحتوم أمام شعب لم يعد يريدها.