اعتبر خبراء أن المقذوفات التي استهدف مدينة السمارة بالصحراء المغربية تعكس حجم العزلة والارتباك اللذين تعيشهما "البوليساريو"، ومحاولتها التشويش على المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب في ملف الصحراء، معتبرين أن الهجوم يعزز مساعي المشرعين الأميركيين لتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية أجنبية.
والثلاثاء الماضي، استهدفت ميليشيات جبهة "البوليساريو" محيط مدينة السمارة، وأطلقت 3 مقذوفات سقطت في مناطق متفرقة، لكن دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية.
وتوالت المواقف الدولية الرافضة للهجوم الذي وتبنته جبهة البوليساريو الانفصالية.
ودانت الولايات المتحدة، وفرنسا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والإمارات العربية المتحدة، وبريطانيا، والسعودية، وقطر، والبحرين، والتشيك، وليبيريا، هجوم "البوليساريو" على مدينة السمارة المغربية، مؤكدة تضامنها الكامل مع المغرب ونبذها للإرهاب ودعمها لسيادة الرباط على أراضيه.
انتهاك واضح للقانون الدولي
وفي قراءته لخلفية الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة بداية الأسبوع، قال محمد بن طلحة الدكالي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، إن الهجوم "يعد انتهاكا واضحا للقانون الدولي ولقرارات وقف إطلاق النار والمجهودات الرامية لحل سلمي لهذا النزاع المفتعل، وأعاد للواجهة مخاطر هذا التنظيم، خصوصا في ظل تداخل أنشطته مع حركات وتنظيمات إرهابية أخرى".
وأوضح الدكالي في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية" أن هذا الهجوم جاء في ظل تصاعد النقاش داخل الكونغرس الأميركي حول مبادرات تشريعية تدعو إلى دراسة إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو تنظيما إرهابيا أجنبيا"، مضيفا أن المشرعين الأميركيين يرون أن "البوليساريو جماعة انفصالية ولها تاريخ من الروابط الأيديولوجية والعملياتية مع إيران المصنفة دولة راعية للإرهاب".
وذكر الخبير ذاته أن بعض التقارير الإعلامية تتحدث عن ظهور معدات أو ذخائر ذات منشأ إيراني لدى الجبهة خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن إشارات إلى تواصل أو لقاءات مع تنظيمات مسلحة أخرى مصنفة إرهابية، ما يبرر طلب المشرعين الأميركيين إجراء تقييم رسمي لوضعية التنظيم وعلاقاته الخارجية.
وأضاف الدكالي أن تبني "البوليساريو" لهذه الهجمات والهجمات السابقة التي استهدفت مدينة السمارة، "يعكس انتقال التنظيم من الخطاب السياسي التقليدي إلى منطق التصعيد العسكري المباشر في سياق إقليمي شديد الحساسية".
وتعليقا على اختيار المغرب لسياسة ضبط النفس، قال الدكالي: "نثمن التزام المملكة المغربية، وهي في كامل جاهزيتها واستعدادها، باحترام الشرعية الدولية وضبط النفس وحرصها على مواصلة المسار التنموي في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، إذ إن المغرب يحافظ على هدوئه من أجل كسب جولات جديدة في رقعة الشطرنج، طالما أن الخصوم يراكمون أخطاء تمس جوهر الشرعية الدولية من خلال التعامل مع الحركات الإرهابية في المنطقة والساحل الإفريقي والمتاجرة في التهريب والمخدرات".
مواقف دولية غير مسبوقة
وفي قراءته للمشهد، قال محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، إن استهداف البوليساريو لمدينة السمارة "يعكس تحولا خطيرا في طبيعة سلوك الجبهة الانفصالية، وينقلها بشكل متزايد من خانة الفاعل السياسي الذي يدعي الدفاع عن أطروحة انفصالية إلى خانة التنظيم المسلح الذي يعتمد أساليب الترهيب والتصعيد الميداني في مواجهة التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية".
وأوضح سالم عبد الفتاح في تصريح خاص لموقع "سكاي نيوز عربية" أن تبني الجبهة للهجوم يؤكد أن الأمر لم يكن حادثا عرضيا "بل محاولة محسوبة لإيصال رسائل سياسية وأمنية في توقيت بالغ الحساسية".
وجاء هذا التصعيد في ظرفية دقيقة تتسم بتزايد الزخم الدولي الداعم لمغربية الصحراء وتنامي التأييد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد لتسوية النزاع، في وقت تعيش فيه الجبهة الانفصالية عزلة سياسية متزايدة مقابل نجاح المغرب في ترسيخ حضوره الدبلوماسي والتنموي بالأقاليم الجنوبية، وفق سالم عبد الفتاح.
ورأى الخبير الصحراوي أن "البوليساريو" تحاول عبر هذه الهجمات المحدودة "إحداث ضجيج ميداني يعوض خسائرها السياسية ويعيدها إلى واجهة الاهتمام الدولي عبر منطق الابتزاز وتهديد الأطراف والمتدخلين الدوليين".
غير أن اللافت، بحسب المتحدث ذاته، هو حجم المواقف الدولية المنددة بالهجوم، خاصة من طرف الولايات المتحدة الأميركية التي أصدرت عبر بعثتها لدى الأمم المتحدة موقفا "غير مسبوق في وضوحه وحدته".
وأدانت واشنطن بشكل صريح هجمات "البوليساريو" على السمارة، واعتبرت أن هذا العنف يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض الجهود المبذولة لإحلال السلام في المنطقة، مؤكدة في الآن ذاته أن مخطط الحكم الذاتي المغربي يمثل المسار الواقعي نحو تسوية نهائية للنزاع.
ورأى سالم عبد الفتاح أن إدانة واشنطن للهجوم على السمارة "تعني عمليا تحميل "البوليساريو" مسؤولية تقويض جهود السلام وإبراز المغرب باعتباره طرفا مسؤولا يلتزم بضبط النفس ويحترم الشرعية الدولية رغم الاستفزازات المتكررة".
محاولة للتشويش
ومن جهته، أوضح عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة إفريقيا ووتش والكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية: "إننا، ومن واقع مسؤوليتنا في الرصد والتوثيق الميداني، نؤكد أن هذا العدوان لم يكن حادثا عرضيا بل يندرج ضمن نهج الجبهة منذ تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار أواخر عام 2020".
وأضاف الكاين في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية" أن "سقوط هذه المقذوفات بالقرب من منشآت حيوية مأهولة بالسكان، وإصابة امرأة مدنية بجروح استدعت نقلها إلى المستشفى، يمثل تذكيرا صارخا بالثمن الإنساني الباهظ الذي تدفعه العائلات والمجتمعات جراء هذه المقذوفات التي لا تميز بين الأهداف، وهو ما يثبت تبني جبهة البوليساريو لاستراتيجية الترهيب العشوائي كأداة للضغط السياسي".
وأشار الكاين إلى أن "المعاينة الميدانية التي أجرتها السلطات المحلية والمراقبون لبقايا الشظايا المتفجرة تؤكد وجود نية مبيتة لضرب الاستقرار في الحواضر الكبرى وفرض واقع ميداني يتسم بالسيولة الأمنية، في محاولات يائسة للتشويش على المسار التنموي والحقوقي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية".
وأضاف الكاين أن "الإدانات الدولية لهجوم البوليساريو لم تعد مجرد مواقف رمزية بل أصبحت تؤسس لسردية دولية جديدة تخرج جبهة "البوليساريو" من قالب حركة التحرر لتضعها في مواجهة استحقاقات القانون الدولي الإنساني كفاعل مسلح يستهدف المدنيين، وهو ما يفسر الزخم التشريعي المتصاعد في الكونغرس الأميركي لتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية أجنبية".
وأكد الكاين أن "قصف مدينة السمارة لم يكن فعل مقاومة، بل كان تشنجا أخيرا لمشروع سياسي فقد بوصلته الشرعية ولجأ إلى الإرهاب في لحظة أضحت فيها التسوية النهائية تحت مظلة السيادة المغربية حقيقة جيوسياسية لا رجعة فيها".