أكد خبراء أن أعمال العنف التي شهدتها مخيمات تندوف خلال الأيام الماضية ليست حدثا معزولا، بل انعكاس لحالة الاحتقان المتصاعدة والسخط الشعبي داخل المخيمات، وتنامي القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل الأمثل والأكثر واقعية لإنهاء النزاع.
وأوضحوا أن هذه التطورات تكشف أيضا عن تصاعد الانشقاقات والتصدعات داخل جبهة "البوليساريو"، بالتزامن مع تنامي الدعم الدولي للمخطط المغربي وتوالي سحب وتجميد الاعترافات بالجبهة.
وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام من داخل مخيمات تندوف، نشبت، بداية الأسبوع، صدامات عنيفة بين عائلتين داخل ما يسمى بولاية السمارة، ما أسفر عن إصابات وخسائر مادية كبيرة.
ووفق ذاتى المصادر، اندلعت مواجهات بدائرة الحوزة بسبب خلافات متكررة بين عائلتين تنتميان إلى قبيلتين محليتين بسبب الخلاف حول الاستفادة من حصة المياه، قبل أن تتصاعد التوترات إلى اشتباكات مباشرة ومواجهات دامية.
وأوضحت أن المتنازعين لجؤوا إلى أسلحة بيضاء وسيارات رباعية الدفع وإضرام النار في عدد من الخيام والمساكن، ما تسبب في أضرار مادية كبيرة، وبعد احتدام الخلاف استعملت أسلحة نارية وتبادل الأطراف إطلاق الرصاص بشكل عشوائي، ما سبب حالة من الهلع وسط الساكنة وأسفر عن إصابة أحد المشاركين إصابة خطيرة، فيما تشير المعطيات إلى تورط عنصر من الحراس الشخصيين لزعيم جبهة "البوليساريو" الانفصالية في الحادث.
وقال الخبراء الذين تحدثوا لـ"سكاي نيوز عربية"إن ما شهدته مخيمات تندوف لا يمكن اعتباره مجرد انفلات أمني عابر أو خلافا عائليا بسيطا، بل يعكس حالة الاحتقان المتفاقمة داخل المخيمات وتوسع دائرة السخط الشعبي والانقسامات الداخلية داخل جبهة "البوليساريو"، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية وتوسع الخلافات بين قادة الجبهة.
أسباب وخلفيات الأزمة
وفي قراءته للمشهد، أوضح رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، محمد سالم عبد الفتاح، أن ما وقع في مخيمات تندوف خلال الأيام الماضية ليس حدثا معزولا، "بل هو نتاج السخط والاحتقان الشعبيين في تلك المخيمات، وفي مقدمتها تأزم الوضع الإنساني بسبب تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار والتضخم بسبب توالي الأزمات الدولية وآخرها الحرب في إيران".
وأوضح سالم عبد الفتاح، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن التطورات التي شهدها ملف الصحراء المغربية دفعت العديد من الدول الداعمة لجبهة "البوليساريو" لسحب دعمها المالي، ما انعكس على قدرة المسؤولين في مخيمات تندوف على توفير الإمدادات وتوزيعها.
وأكد المتحدث ذاته أن العامل الأبرز الذي أدى إلى اشتعال فتيل أعمال الشغب في المخيم هو ما أسماه "بالنهب الممنهج للمساعدات" التي تحصل عليها الجبهة من الدول والمنظمات، موضحا أن الجبهة تعتمد على تهريب المساعدات ونهبها وبيعها لتعويض النقص الحاصل في الميزانية.
وتابع: "من ناحية أخرى تراجعت قدرة الجبهة على التأطير والتعبئة داخل المخيمات التي تسيرها بسبب ضعف خطابها السياسي وتوالي الانتكاسات التي تتلقاها وانكشاف زيف خطابها السياسي، وانفتاح ساكنة تندوف على وسائل التواصل الاجتماعي، ما مكنهم من الاطلاع على حقيقة الوضع في الأقاليم الجنوبية وكشف زيف ادعاءات الجبهة وتوالي انتكاساتها"، مضيفا أن وسائل الاتصال مكنت ساكنة المخيمات من فتح النقاش حول القضايا بعيدا عن وصاية الجبهة ومراقبتها، ما ساعدهم على الخروج باستنتاجات حول ضعف الجبهة ومصيرها المجهول، خاصة بعد رفضها الوساطات ومبادرة الحكم الذاتي.
وأكد سالم عبد الفتاح أن ساكني مخيمات تندوف "باتوا ينظرون إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 واعتبرتها الأمم المتحدة، في أكتوبر الماضي، الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، كحل وسط يمكن أن ينهي معاناتهم المستمرة منذ سنوات".
وبحسب سالم عبد الفتاح، لا تتوقف أسباب الأزمة هنا، بل تمتد إلى "مصادرة الحريات السياسية والمدنية، إذ يمنع دستور الكيان المزعوم تأسيس الأحزاب والجمعيات والحق في التجمع، وفي هذه الحالة ومع قمع كل أشكال التعبير الديمقراطي لا يجد ساكنة المخيمات إلا التجمهر في أشكال احتجاجية غير رسمية أو الانتظام في مجموعات ذات طابع قبلي أو الارتباط بالخطاب الديني المتطرف والجماعات المروجة له التي توظفها الجبهة لضبط الأوضاع داخل المخيمات"، وفق تعبير المتحدث.
وأوضح سالم عبد الفتاح قائلا: "في ظل هذا الوضع الإنساني والحقوقي المتأزم يجد سكان مخيمات تندوف أنفسهم مضطرين إلى الانخراط في أنشطة غير قانونية كالتهريب المعيشي الذي يواجهه بإجراءات مشددة قد تصل في بعض الأحيان إلى إطلاق الرصاص الحي، وفي ذات الوقت تسمح جبهة البوليساريو بتهريب منظم بهدف ملء صناديقها السوداء وتمويل آلتها الدعائية وأنشطتها العسكرية، ما يزيد الاحتقان داخل المخيمات".
تآكل القبضة الأمنية وتخبط الخطاب
وبدوره، قال عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إن مخيمات تندوف "تعيش على وقع غليان أمني واجتماعي غير مسبوق، كشفته الصدامات الدامية الأخيرة بين فصائل ومجموعات قبلية داخل المخيمات"، مضيفا أن الأحداث الأخيرة "ليست مجرد انفلات عابر، بل هي مرآة تعكس واقع التخبط الذي تعيشه جبهة البوليساريو، وتآكل قبضتها الأمنية".
وتابع الكاين في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية": "تكشف الصدامات الدامية عن حقيقة واحدة تتمثل في فقدان البوليساريو بوصلة السيطرة، وتآكل الشرعية، في ظل حالة الإحباط واليأس التي تسيطر على الساكنة المحتجزة، نتيجة غياب أي أفق سياسي لأطروحة الانفصال، إذ تحولت إلى غضب داخلي واصطدام مباشر مع القيادة".
وأوضح الكاين أن النزاعات القبلية أصبحت هي المحرك الأساسي داخل المخيمات، محولة إياها إلى ساحة لتصفية الحسابات بعيدا عن أي سلطة لقادة البوليساريو، مضيفا أن هذه "الفوضى جاءت في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، وهو نهاية شهر أبريل، حيث تنصب أنظار العالم إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشة ولاية بعثة المينورسو".
وفي تحليله للوضع، قال الكاين إن التراجع "الميداني للطرح الانفصالي وتوالي الصدمات داخل جبهة البوليساريو يقدم دليلا دامغا للمجتمع الدولي على أن هذا الكيان لم يعد قادرا على تأمين خيمة واحدة، ما يعزز مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل يضمن الأمن الإقليمي وينهي مسألة المحتجزين".
وأشار إلى أن تحول تندوف إلى بؤرة توتر دائمة يحمل بين طياته "سيناريو قاتما" يلوح في الأفق، إذ يمكن أن تستغل الجماعات الإرهابية الوضع لتعزيز شبكات تهريب السلاح والمخدرات في منطقة الساحل.
الاقتناع بمخطط الحكم الذاتي
ومن جهته، قال خبير العلاقات الدولية ورئيس مركز بن رشد للدراسات الاستراتيجية وتحليل السياسات، محمد النشطاوي، إن ما حدث في تندوف مؤخرا يظهر أن ساكنة المخيمات طفح كيلها من عدم الاستقرار الذي يسود داخل المخيمات.
وأضاف النشطاوي في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية" أن ساكنة مخيمات تندوف تعي جيدا أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، وحصل على دعم العديد من القوى الكبرى في العالم، هو الحل الوحيد الذي سيمكنها من العيش بكرامة والعودة إلى ذويهم ووطنهم في الأقاليم الجنوبية المغربية.
وأضاف النشطاوي أن ساكنة المخيمات تعي بأن التطورات الأخيرة في الملف وتوالي الاعترافات بمغربية الصحراء وسحب الاعترافات بالجبهة يضيق الخناق على البوليساريو، مشيرا إلى أن العنف الذي شهدته المخيمات في الأيام الماضية هو "محاولة لتوحيد صوت الساكنة التي طالما تاجرت الجبهة بعذابها ومعاناتها، وتحاول أن تبين لقادة البوليساريو أنها سئمت من الوضع وأنها تريد أن تكون جزءا من أي قرار مستقبلي لإنهاء معاناة استمرت لأكثر من 50 عاما".
وأوضح النشطاوي أن الانشقاقات داخل الجبهة أخذت في التوسع نتيجة الضغوط الداخلية من الساكنة والضغوط الخارجية الناتجة عن تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتزايد المطالب داخل الكونغرس الأميركي بتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية، مضيفا أن "العالم لم يعد يصدق ما تروج له جبهة البوليساريو، ودول العالم تأكدت أن خيار الحكم الذاتي هو الذي سيضمن عودة أبناء المخيمات الذين ظلوا لأزيد من 50 سنة إلى وطنهم تحت سيادة المملكة المغربية".