يدخل العراق منعطفا حاسما مع تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة، في خطوة تثير أسئلة جوهرية حول طبيعة التوازنات التي تحكم القرار السياسي في بغداد.

فبينما يقدم هذا التكليف باعتباره نتاج توافق داخلي ومحاولة لكسر حالة الانسداد التي عطلت المشهد لأسابيع، تتصاعد في المقابل تحذيرات من تداعيات محتملة قد تمتد إلى مستوى الاستقرار الاقتصادي والسياسي، في ظل إشارات أميركية متشددة تجاه ملفات حساسة على رأسها سلاح الفصائل والعلاقة مع إيران.

هذا التباين الحاد في القراءات، كما يعكسه تحليل كل من عضو المرصد الوطني للإعلام وائل الركابي والباحث السياسي غانم العابد خلال حديثهما لسكاي نيوز عربية ، لا يقتصر على توصيف الحدث، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة لمسار الحكومة المقبلة: بين اختبار فعلي لمدى استقلال القرار العراقي، أو إعادة إنتاج معادلة معقدة تحكمها اعتبارات التوازن الإقليمي والدولي.

أخبار ذات صلة

علي الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية.. اختبار الداخل والخارج
ميدي يكلف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة

الزيدي.. الاسم الذي أربك الجميع

في محاولته لفك شيفرة اختيار علي الزيدي، رسم وائل الركابي صورة لمرشح "غير معروف إعلاميا"، يعمل في قطاع التجارة والاقتصاد، لكنه في الوقت ذاته "ليس بعيدا عن العلاقات مع كل القادة السياسيين بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم".

ويرى الركابي أن "الاسم الذي يعتقد به البعض أنه مثير للجدل، ويعتقد البعض أنه غير مقبول إقليميا أو دوليا، هذا الأمر جاء بقرار عراقي".

تشريح جلسة "المالكي والسوداني"

يقدم الركابي رواية داخلية دقيقة لمسار ما قبل التكليف، موضحا أن رفض المالكي والسوداني سابقا "ليس فقط نزولا عند رغبة الإملاءات الخارجية، أو رفض الدول الخارجية على المرشحين، إنما لعدم التوافق الوطني أصلا".

ووفق هذه الرواية، منح الإطار التنسيقي الرجلين "فرصة الحوار فيما بينهما لكي يتفقا على شخص ثم يطرحاه إلى الإطار"، ليأتي الترشيح بثلاثة أسماء، حظي منهم علي الزيدي "بتوافق شامل، أو على الأقل بأغلبية تقريبا 10 من قبل 12" داخل الإطار.

هذا السرد يقدم الزيدي باعتباره "مخرجا" من الانسداد السياسي، وليس تحديا لأحد؛ ليؤسس الركابي لسردية "القرار الوطني المستقل".

أما العابد فقد اعتبر أن الزيدي "ليس مرشح الإطار التنسيقي، بقدر ما هو مرشح الانسداد السياسي الذي حصل بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني".

ضغوط أميركية ترسم ملامح حكومة العراق

ويصف العابد المشهد قائلا: "اليوم سنكون أمام حالة رئيس وزراء بدون أنياب"، مفسرا أن نواة الإطار التنسيقي، وعلى رأسها المالكي، "دائما يبحثون عن رئيس وزراء يكون أسير قرار الإطار التنسيقي" لا يمتلك طموحات كبيرة تهدد "الحرس القديم".

المراهنة على الوقت.. نظرية "الـ60 يوما"

أخطر فرضية طرحها العابد تتعلق باستراتيجية "شراء الوقت". فرغم أن المدة الدستورية لتسمية رئيس الوزراء تكاد تنتهي، يرى العابد أن الإطار التنسيقي "كسب 30 يوما" مع الزيدي، وفي حال فشله سيكلف شخص آخر لمدة 15 يوما، ثم ثالث لمدة مماثلة، ليصبح المجموع "60 يوماً من الآن".

هذه الستون يوما، وفق تحليل العابد، ليست مجرد مهلة دستورية، بل هي مناورة سياسية محسوبة "في مواجهة الضغوط الأميركية، أو محاولة ما ستؤول إليه الحرب أو تجدد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، والابتعاد عن الضغوط الأميركية".

لعبة الظلال.. قاآني وباراك

ويعلق الركابي على الزيارات المتزامنة لقائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني والمبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد: "كلاهما دولتان متحاربتان الآن، ولربما لديهما بعض ما يريد من العراق"، مشيرا إلى أنه كما لا يعقل أن تكون أميركا هي من تملي، لا يعقل كذلك أن تكون إيران هي من تفرض.

الإطار التنسيقي يخفق بحسم مرشح رئاسة الحكومة ويؤجل اجتماعه

في الجهة المقابلة، يصر العابد على أن البصمة الإيرانية حاضرة بقوة، مستندا إلى توقيت الزيارة، بقوله: "قبل أسبوع من الآن كانت هناك زيارة لقائد فيلق القدس.. وبالتأكيد كان هناك تقريب في وجهات النظر".

ويخلص إلى أن: "هذا الاختيار جاء مراعاة للإطار التنسيقي أولا، وبدرجة أقل مراعاة لإيران"، أما واشنطن، فيراها العابد صاحبة "اليد الطولى في تسمية الحكومات العراقية"، بدليل أنها "عبر ترامب بتغريدة واحدة رفضت نوري المالكي وتم استبعاده"، وأنها هي من قالت "لا تجديد للسوداني لولاية ثانية وتم استبعاده".

المصرف والعقوبات الأميركية

يتحول النقاش إلى المسار المالي ليصبح ملموسا وقاسيا. يدافع الركابي باستماتة عن المرشح، نافيا أن يكون "علي الزيدي" مالكا للمصرف، ومؤكدا أنه "حسب معلوماتي يعود لأخيه، وهو يعمل كمدير مفوض داخل هذه المؤسسة التجارية".

ويستطرد أن عمل الرجل التجاري يتعلق بـ"تمويل السلة الغذائية للمجتمع العراقي" بالتعاون مع وزارة التجارة، متسائلا باستنكار: "كيف العقوبات الأميركية تأتي؟ على ماذا؟ هل لأن اسم علي الزيدي؟".

ولفت العابدي إلى أن: "الولايات المتحدة ترسل للعراق شهريا 10 مليار دولار من أموال بيع النفط. قبل أيام رفضت إرسال 500 مليون دولار".

العراق.. مخاوف من تداعيات تعليق واشنطن شحنات الدولار

كما حذر من أن التهديدات الرسمية الأميركية "بعقوبات قصوى" قد تطال الجميع، قائلا: "هي عقوبات اقتصادية ستشمل عائلتي وعائلتك وجميع عوائل العراقيين. لهذا العراقيون ليسوا مستعدين أن يدفعوا ثمن قوت يومهم".

وعن مسؤولية رئيس الوزراء القادم، يسأل العابد: كيف لرئيس وزراء "ليس لديه أي ثقل نيابي" أن يسحب السلاح من فصائل "تمتلك 80 مقعدا نيابيا" وتتحكم بالمشهد الأمني والسياسي؟