بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في السودان، لا تبدو نهاية الصراع في الأفق، بينما تتسع رقعة الكارثة الإنسانية لتطال غالبية السكان، في مشهد يعكس انهياراً غير مسبوق لدولة كانت تقف أصلاً على أرض هشة.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تحولت إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، دمّر مؤسسات الدولة، ومزّق المجتمع، وأدخل البلاد في دوامة من العنف والجوع والنزوح، وسط فشل متكرر للجهود الدولية في وقف القتال أو حتى تخفيف معاناة المدنيين. ومع دخول الحرب عامها الرابع، يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق خطير، حيث تتداخل الأزمات الإنسانية والاقتصادية والسياسية، في ظل غياب أي حل قريب، وتصاعد المخاوف من انهيار طويل الأمد قد يعيد تشكيل الدولة والمجتمع لسنوات قادمة.
جذور الحرب ومسار الانهيار
يصادف اليوم 15 أبريل 2026 الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وكان البرهان وحميدتي قد نفذا انقلاباً عسكرياً في 25 أكتوبر 2021 ضد الحكومة المدنية الانتقالية التي كان يترأسها عبد الله حمدوك، والتي جاءت عقب الثورة الشعبية التي أطاحت في عام 2019 بالنظام الإسلامي العسكري بقيادة عمر البشير.
السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير
ومع دخول الحرب عامها الرابع، لا تزال البلاد تغرق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم، وسط غياب أي مؤشرات حقيقية على نهاية قريبة للحرب.
ومنذ 15 أبريل 2023، خاض الطرفان الحرب دون احترام لقوانين الحرب وقواعد الاشتباك، حيث تحولت إلى صراع مفتوح دمّر مؤسسات الدولة، ومزّق النسيج الاجتماعي، ودفع البلاد إلى حافة الانهيار الكامل. ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، لم تُفلح أي منها حتى في تحقيق وقف لإطلاق النار، ولو كهدنة إنسانية لإيصال المساعدات إلى المدنيين، فيما صنّفتها الأمم المتحدة كواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
حرب بلا حسم عسكري
بعد ثلاث سنوات من القتال الذي خلّف دماراً واسعاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث، وسقوط أعداد كبيرة من القتلى تتراوح بين نحو 59 ألف قتيل موثق وما يصل إلى 150 ألف قتيل وفق تقديرات حديثة، في ظل غياب إحصاءات دقيقة بسبب تعقيدات النزاع وصعوبة التوثيق، لا يبدو أن هناك أي احتمال لتحقيق نصر عسكري حاسم لأي من الطرفين.
ولا تزال الحرب تمرّ بمراحل مدّ وجزر؛ إذ تسيطر القوات المسلحة السودانية على الشرق والشمال - اللذين لم يشهدا عمليات قتالية واسعة - إضافة إلى أجزاء كبيرة من وسط البلاد، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، معتمدةً بشكل أساسي على سلاح الجو والطائرات المسيّرة. في المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع، التي تتمتع بتفوق في الحرب البرية، على أجزاء واسعة من غرب السودان، بما في ذلك كامل إقليم دارفور، إلى جانب مناطق في الجنوب والوسط والجنوب الشرقي.
ويشير ميزان القوى الحالي إلى استمرار حرب استنزاف طويلة الأمد أو اتجاه نحو تقسيم فعلي للبلاد، "لكن لا ولن يوجد حسم عسكري لصالح أي طرف في هذه الحرب"، كما قال جلال حسين، العميد المتقاعد من الجيش السوداني، لسكاي نيوز عربية.
حصيلة 3 سنوات من الدمار
تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية إلى أن السودان، بعد ثلاثة أعوام من الحرب، يواجه واحدة من أعقد وأكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 33 إلى 34 مليون شخص إلى مساعدات، أي قرابة 60% من السكان، في ظل نزوح أكثر من 13 إلى 14 مليون شخص، بينهم نحو 4.5 مليون لاجئ خارج البلاد.
وتتفاقم الأزمة مع معاناة نحو 30 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، واعتماد ملايين على وجبة واحدة يومياً، فيما يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة، خاصة في دارفور وكردفان، في مؤشر على انهيار منظومة الأمن الغذائي في البلاد.
انهيار الصحة والتعليم
انهار النظام الصحي بشكل واسع، حيث خرج أكثر من ثلث المستشفيات عن الخدمة، وتعرض القطاع الصحي لهجمات متكررة، إذ وثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 200 هجوم على المرافق الطبية منذ بداية الحرب، أسفرت عن أكثر من 2500 وفاة، فيما سجّل السودان وحده 82% من الوفيات العالمية الناتجة عن الهجمات على الرعاية الصحية في عام 2025، بالتوازي مع تفشي الأمراض ونقص حاد في الخدمات الأساسية.
كما تتعمق الأزمة الإنسانية مع تفشي سوء التغذية والأمراض، لا سيما بين الأطفال، في وقت حُرم فيه نحو 76% منهم من التعليم، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل جيل كامل.
ورغم ضخامة الكارثة، لا تزال الاستجابة الدولية محدودة، إذ لم يتجاوز تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 نسبة 16% من الاحتياجات، ما يفاقم الأزمة ويهدد بمزيد من التدهور.
جرائم وانتهاكات واسعة
تفيد وكالات الأمم المتحدة ولجانها، إلى جانب المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، باستمرار الانتهاكات الخطيرة في السودان، بما في ذلك المجازر، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن العنف الجنسي واسع النطاق ضد النساء.
قرارات البرهان.. إعادة ترتيب أم إقصاء منافسين؟
وخلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن الانتهاكات التي ارتكبها كل من الجيش وقوات الدعم السريع ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع مؤشرات على أعمال قد تصل إلى الإبادة الجماعية.
ولا تقتصر هذه الانتهاكات على الطرفين الرئيسيين في النزاع، إذ تشير تقارير إلى تورط مجموعات مسلحة أخرى، بما في ذلك كتائب ومليشيات إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، في ارتكاب أعمال عنف ضد المدنيين، شملت إعدامات ميدانية وانتهاكات جسيمة أخرى.
فشل المساعي الدولية
فشلت جميع الجهود الدولية حتى الآن في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ومن ثم إطلاق عملية سياسية تُفضي إلى إنهاء الحرب، بدءاً من منبر جدة في السعودية، مروراً بمبادرة المنامة في البحرين، ووصولاً إلى جهود الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد. ويُعزى هذا الفشل إلى عدة عوامل، من بينها تأثير الجماعات الإسلامية (الإخوان المسلمين) على المؤسسة العسكرية، إضافة إلى تعقيدات وتدخلات إقليمية.
وقادت الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر ، جهود الوساطة بهدف الضغط لوقف إطلاق النار، ولا تزال هذه الجهود مستمرة، ويعقد عليها السودانيون آمالاً كبيرة لإنهاء الحرب.
وتبرز مشاركة الآلية الرباعية كأحد أبرز عوامل الدفع في أي مسار تفاوضي، نظراً لما تمثله من ثقل سياسي وقدرة على التأثير المباشر في مسارات الأزمة، فضلاً عن دورها في تقريب وجهات النظر ودعم جهود التسوية بشكل عملي.
ويُنظَر على نطاق واسع إلى مبادرة الرباعية باعتبارها ركيزة أساسية لتحويل مخرجات أي مؤتمر دولي إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بما يعزز فرص الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذرياً.
وفي هذا السياق، وصف الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف القوى المدنية الديمقراطية "صمود"، في مقال له بصحيفة الغارديان أمس، المبادرة بأنها "خطة ذات مصداقية عالية تختلف عن سابقاتها، وتمتلك أدوات الضغط الكفيلة بوقف هذه الحرب".
بعد ثلاث سنوات من الحرب، يقف السودان أمام كارثة إنسانية مركبة تشمل الموت والنزوح والجوع والانهيار الصحي والانتهاكات الواسعة، في ظل استحالة الحسم العسكري وغياب أي أفق واضح لإنهاء الصراع من قبل الطرفين، واستمرار فشل الجهود الدولية في تحقيق اختراق حقيقي نحو السلام.