في وقت يترقب به اللبنانيون مسار التطورات السياسية والأمنية، شكلت الجلسة الأولى من المحادثات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، التي انعقدت الثلاثاء في واشنطن، محطة مفصلية، وسط آمال حذرة بإمكانية فتح نافذة نحو التهدئة، يقابلها قلق واسع من طبيعة الشروط المطروحة وانعكاساتها على السيادة اللبنانية.

وبعد الانتهاء من الجلسة، أكدت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض أنها دعت إلى "وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى منازلهم، واتخاذ خطوات عملية للتخفيف من الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال لبنان يعانيها نتيجة النزاع المستمر".

وتأتي هذه المفاوضات في ظل تصعيد ميداني متواصل، خاصة جنوبي لبنان، ما يطرح تساؤلات حول جدواها وإمكانية فصل المسار السياسي عن الضغط العسكري، وسط انقسام الآراء بين من يراها فرصة لوقف الانهيار، ومن يعتبرها امتدادا لصراع إقليمي ينعكس على الساحة اللبنانية.

في هذا السياق، وتعليقا على الحدث، اعتبر المحاضر في التاريخ بالجامعة الأميركية في بيروت مكرم رباح، أن "الدعم الأميركي لخطط الحكومة اللبنانية لاحتكار السلاح يشكل مؤشرا واضحا على توجه دولي لإنهاء النفوذ الإيراني في لبنان".

وفي حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، رأى رباح أن "هذا اللقاء يحمل أهمية كبيرة، إذ يمكن اعتباره ترسيما سياسيا للعلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله"، مشيرا إلى أن "ما تقوم به الدولة يفتح الباب أمام مسار طويل يمكن البناء عليه مستقبلا".

وأضاف أن "أهمية المفاوضات تكمن أيضا في فصل المسارات، وهو عنصر أساسي ليس فقط في المرحلة الحالية، بل في مرحلة ما بعد الحرب"، معتبرا أن "لبنان سيكون بحاجة إلى دعم الدول الصديقة لإعادة تثبيت استقراره".

وختم الأكاديمي اللبناني بالإشارة إلى أن "المشهد الإقليمي يعكس صراعا أوسع، حيث تسعى إيران إلى استثمار الساحات العربية، بينما يبرز الدور الأميركي كعامل أساسي في إعادة رسم التوازنات".

بنت جبيل تتصدر جبهات جنوب لبنان

الدبلوماسية والسلاح

رأى الإعلامي منير الحافي، أنه "من المبكر الحكم على نتائج الجلسة الأولى، إلا أن مجرد انعقاد اللقاء يعد تطورا لافتا".

وأشار الحافي في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن "اللقاء الثلاثي لم يكن ليحصل لولا التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة ولبنان"، مضيفا أن "الدولة اللبنانية اتخذت قرارا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات انطلاقا من مسؤوليتها في إنقاذ الشعب من تداعيات الحرب".

واعتبر أن "المحاولة اليوم هي تحقيق ما لم تتمكن الحرب من تحقيقه، أي حماية الأرواح، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، وإطلاق الأسرى اللبنانيين"، لافتا إلى أن "تعزيز موقع الدولة التفاوضي يرتبط بقدرتها على تحقيق إنجازات بدعم دولي، في مقابل رفض حزب الله لهذه المحادثات".

كما رأى المحلل السياسي بشارة خير الله، أن "ملف التفاوض يفرض نفسه في ظل تعقيدات كبيرة، حيث تتداخل الضغوط الميدانية مع الحسابات الإقليمية والدولية".

وفي حديثه لـ"سكاي نيوز عربية"، أوضح أن "المشهد يتجاوز طرفين ليشمل 4 أطراف رئيسية: لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وإيران، مما يجعل أي مسار تفاوضي محكوما بتوازنات دقيقة".

وأضاف أن "إيران تسعى إلى إبقاء لبنان ضمن أوراقها التفاوضية، بينما تدفع إسرائيل نحو فرض التفاوض تحت الضغط العسكري، في محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية تترجم سياسيا".

ورأى خير الله أن "السؤال الأساسي يتمثل في قدرة لبنان على فرض نفسه كطرف مستقل، وتثبيت حقه في التفاوض انطلاقا من مصلحته الوطنية"، معتبرا أن "هناك محاولة لوضع حجر أساس لمسار تفاوضي يعزز سيادة القرار اللبناني، رغم أنه يأتي تحت ضغط الميدان".

أخبار ذات صلة

ساعر: إسرائيل تريد "السلام وتطبيع" العلاقات مع لبنان
إسرائيل تستجوب عناصر من حزب الله اعتقلتهم جنوبي لبنان

الشارع بين الأمل والشك

في موازاة المواقف السياسية، تعكس آراء الشارع اللبناني حالة من الانقسام الحاد حيال المفاوضات مع إسرائيل.

وقال عمار (30 عاما)، إن "الاعتراض على التفاوض يقتصر اليوم على حزب الله، الذي يرفضه بحجة مخالفته للدستور، خصوصا أنه يتم بشكل مباشر".

في المقابل، عبرت هبة، وهي طالبة جامعية، عن عدم ثقتها بالمسار التفاوضي، معتبرة أن "القرارات غالبا ما تتخذ خارج لبنان وعلى حسابه".

أما أبو علي، صاحب محل، فرأى أن "الأولوية هي للعيش بكرامة، وأي مفاوضات تعيد الاستقرار مرحب بها، شرط ألا تكون على حساب كرامة اللبنانيين".

كما اعتبرت سمر، وهي أم لثلاثة أولاد، أن "الخوف الأكبر هو من إطالة أمد الأزمة"، مشددة على أن "أي حل يوقف التوتر مطلوب، لكن مع ضمانات واضحة".

في حين رأى جورج، وهو متقاعد، أن "لبنان يجب أن يفاوض من موقع قوة، لا تحت الضغط"، لافتا إلى أن "المشكلة الدائمة تكمن في ضعف موقعه التفاوضي".