في ظل تحولات إقليمية عميقة وضغوط دولية متصاعدة، تشهد الساحة السياسية العراقية إعادة رسم جذرية لخارطة المنافسة على رئاسة الحكومة المقبلة.
الكاتب والباحث السياسي زياد العرار، في حديثه gسكاي نيوز عربية، رسم صورة مفصلة لواقع يتسم بالسيولة والتعقيد، وكشف عن معطيات تعيد توزيع الأوراق من جديد.
المالكي يدفع بأسماء بديلة.. وفريقه يتمسك باسمه شكلا لا مضمونا
أكد العرار أن نوري المالكي "أصبح خارج الترشيح"، وليس فقط بعيدا عنه، مستندا إلى جملة من المعطيات المتراكمة. وأوضح أن رفض ترشيحه لم يكن وليد لحظة واحدة، بل سبق تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهيرة، وسبق المنعطفات الأخيرة للحرب الإقليمية؛ إذ كان داخل الإطار التنسيقي الشيعي طرفان أو ثلاثة يرفضون ترشيحه صراحة.
وأشار العرار إلى أن موقف المالكي المعروف تجاه إيران وتجاه بعض الفصائل المسلحة، فضلا عن أدوار هذه الفصائل خلال مراحل الحرب، أسهمت مجتمعة في إبعاده عن الحسابات الرسمية لرئاسة الحكومة.
ولفت إلى أن المالكي بات يدفع بأسماء مرشحة أخرى، فيما يتمسك حزبه "دولة القانون" بإبقاء اسمه مرشحا من الناحية الشكلية، غير أن "الواقع حسم الأمر"، وفق تعبيره.
الإطار في مواجهة نفسه.. خلافات تعطّل الاجتماعات
كشف العرار أن الإطار التنسيقي كان مقررا له اجتماع أُجل بسبب الخلافات الداخلية، ومن المتوقع انعقاده مساء الأربعاء لمناقشة أسماء المرشحين.
ووصف حدة المنافسة الداخلية بأنها "شديدة"، مؤكدا أن كل الأسماء المطروحة تعرضت لهجمات من أطراف داخل الإطار ذاته.
ولفت إلى أن الإطار يعمل جاهدا للخروج بمرشح يحظى بأغلبية توافقية، إلا أن المعطيات لا تشير إلى إمكانية الاتفاق على شخص واحد في المدى المنظور.
السوداني.. قائمة دعم ليست قوية.. والخشية من الولاية لا من الشخص
يمثل محمد شياع السوداني حالة استثنائية في هذا السباق؛ إذ تشير المعطيات إلى أنه "لديه قائمة دعم لكنها ليست قوية"، وفق ما أوضحه العرار.
وتصطدم حظوظه بعقبة سياسية جوهرية، إذ أكد العرار صراحة أن "ليس التخوف من شخص السوداني، ولكن من أن يكون هناك رئيس وزراء بدورة ثانية"، في إشارة إلى مخاوف القوى الفاعلة داخل الإطار من تمركز السلطة، مستحضرةً تجربة المالكي حين "استبعد الجميع وانفرد بالرؤية الحكومية في دورته الثانية".
وأوضح العرار أن الهجمات التي تعرض لها السوداني بعد شروعه في مشاريع الإعمار وبناء الجسور والشوارع في بغداد كانت مؤشرا على إضعاف فرصة الولاية الثانية، لافتا إلى أن "هناك مشكلة في الموقف الأميركي غير الواضح من السوداني"، ومرجحا أن "هناك تغيرا في هذا الموقف"، مع بقائه حتى اللحظة ضمن دائرة المنافسة.
البدري وخيار "مرشح التسوية".. الرهانات المفتوحة
برز اسم باسم البدري بوصفه خيارا تدفع به أطراف سياسية وازنة، من بينها حركة "العصائب" و"دولة القانون"، مع احتمال توافق 4 إلى 5 أطراف حوله. غير أن العرار لا يستبعد أن يكون المرشح النهائي شخصية من خارج "الأسوار"، معتبرا أن "غالبا ما يكون مرشح التسوية من الخارج هو الذي يحل العقدة في الأخير".
التوافق الوطني شرط.. والسنة والكرد في قلب المعادلة
نبه العرار إلى تحول جوهري في آليات تشكيل الحكومة؛ إذ لم يعد توافق الإطار التنسيقي وحده كافيا لتمرير رئيس الوزراء. وأكد أن الموقف السني والكردي بات شرطا لا يمكن تجاوزه، مشيرا إلى أن السنة "أصبح لهم رأي في شخصية رئيس الوزراء"، وأن تجاوز موافقتهم سيفضي إلى إشكاليات عميقة في المشهد العراقي.
وفي السياق ذاته، رأى العرار أن الأطراف السياسية تميل نحو حكومة "أكثر هدوءا وميلا إلى التهدئة"، لمواجهة العاصفة الإقليمية الكبرى التي تتخطى العراق إلى المنطقة بأسرها.
إيران والموقف الأميركي.. متغيران يعيدان رسم الخارطة
أبدى العرار تحفظا واضحا حيال الحديث عن تراجع النفوذ الإيراني، معتبرا أن معظم ما يقال في هذا الشأن "تحليلات ورؤى، وبعضها تمنيات".
ورأى أن إيران منشغلة بأزماتها الداخلية وتداعيات الحرب التي "أوقعت خسائر كبيرة على كل المستويات"، وتسعى للخروج منها بأقل الخسائر، وكذلك الإطار التنسيقي الذي "ما زال قريباً من إيران".
وأشار إلى أن انتخاب رئيس الجمهورية بعيدا عن التوافق التقليدي، مع معارضة أقطاب كبيرة ومقاطعتها، "يعطي بصيص أمل" بأن ثمة رؤية جديدة لدى بعض هذه القوى، وإن كان مصير الدور الإيراني رهينا بما ستحدده المرحلة المقبلة من الصراع الدائر بين واشنطن وطهران.
في المقابل، أكد أن الولايات المتحدة أعادت النظر في المشهد العراقي، وأن رؤية إدارة ترامب تحمل متغيرات حقيقية ستنعكس على مجريات تشكيل الحكومة المقبلة.
وخلص العرار إلى أن الإطار لا يملك أمامه سوى 12 يوما لاتخاذ قرار حاسم في ملف الترشيح، في ظل مشهد بالغ التعقيد تتشابك فيه الاعتبارات الداخلية والإقليمية والدولية.