في تطور نوعي يعكس تحولا في طبيعة الصراع الداخلي اللبناني، كشف الكاتب الصحفي جاد يتيم، في حديثه لسكاي نيوز عربية، عن أبعاد جديدة للأزمة القائمة بين حزب الله والحكومة اللبنانية، معتبرا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من المواجهة الداخلية المتشابكة مع حسابات إقليمية.

ويضع يتيم المسؤولية في إطار بنيوي يتجاوز السجال السياسي التقليدي، ليربط بين القرار السيادي، وبنية السلطة، وطبيعة الصراع الدائر داخل الدولة اللبنانية وعلى حدودها.

لبنان يصعد دبلوماسيا بعد توترات أمنية

تصعيد مزدوج.. حرب خارجية وجبهة داخلية

يرى يتيم أن الإشكالية المركزية تكمن في ما وصفه بقرار منفرد اتخذه حزب الله بإدخال لبنان في حرب خارجية ذات بعد إيراني مع إسرائيل، بالتوازي مع فتح جبهة داخلية في مواجهة اللبنانيين شعبا ودولة.

ويؤكد أن هذا المسار يترافق مع ضغوط سياسية مباشرة على السلطة التنفيذية، ظهرت بوضوح في مسار قرار طرد السفير الإيراني، الذي يشدد على أنه لم يكن قرارا فرديا لوزير الخارجية، بل قرار حكومي متكامل اتخذه رئيس الوزراء نواف سلام بعلم رئيس الجمهورية.

وفي هذا السياق، يعتبر أن توجيه الانتقادات إلى وزير الخارجية يخفي استهدافا مباشرا للحكومة ككل، لافتا إلى أن الخطاب السياسي الأخير، وخصوصا من جانب قيادات حزب الله، تضمن اتهامات صريحة للحكومة بتنفيذ |أجندة إسرائيلية|، مقرونة بربط التراجع عن هذه الاتهامات بسحب قرارات حصر السلاح.

قرار لبناني يغضب حزب الله.. ومخاوف من تهديدات الحرس الثوري

انتقال إلى مرحلة مواجهة داخلية جديدة

يضع يتيم هذا التصعيد ضمن إطار أوسع، معتبرا أن لبنان انتقل فعليا إلى مرحلة ثانية من المواجهة الداخلية، تقودها إيران عبر أدواتها في المنطقة.

ويؤكد أن حزب الله، وفق هذا التصور، لا يتخذ قراراته بشكل مستقل، بل ينفذ خيارات إيرانية، سواء في فتح الجبهات الخارجية أو في خلق الأزمات الداخلية.

ويعزز هذا الطرح بالإشارة إلى تزامن التطورات في لبنان مع خطوات موازية في العراق، حيث تم اتخاذ قرارات تسمح للحشد الشعبي بالتحرك، ما يعكس، بحسب تحليله، وحدة في إدارة التصعيد على مستوى الإقليم.

أدوات الضغط.. بين التهديد السياسي وتعطيل المؤسسات

يتناول يتيم سيناريو التلويح باستقالة الوزراء الشيعة، معتبرا أن هذا الخيار، رغم صعوبته في الظروف الحالية مقارنة بتجربة حكومة فؤاد السنيورة، يبقى أداة ضغط سياسية.

ويشير إلى أن الحكومة، حتى في حال حدوث هذه الاستقالة، ستبقى قائمة دستوريا، وإن كانت عرضة للتشكيك في ميثاقيتها.

وفي موازاة ذلك، يلفت إلى سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية، من منع الطيران الإيراني إلى فرض التأشيرات وملاحقة عناصر الحرس الثوري، وصولا إلى قرارات حظر النشاط العسكري والأمني، معتبرا أنها شكلت ضربات متتالية لحزب الله، الذي بات، وفق تعبيره، عاجزا عن الرد المباشر.

إسرائيل تجتاح جنوب لبنان.. هل تبدأ مرحلة جديدة من الحرب؟

توازنات القوة واحتمالات التصعيد الإقليمي

يقدر يتيم أن إيران، رغم إدراكها لحالة الضعف النسبي التي يعانيها حزب الله، قد تلجأ إلى تصعيد غير مباشر، بما في ذلك استهداف مصالح داخل لبنان. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى محدودية قدرة طهران على تغيير موازين القوى بشكل جذري.

وفي المقابل، يحذّر من أن حزب الله لا يزال يمتلك ترسانة كافية لتهديد الداخل اللبناني، أكثر مما يشكل تهديدا فعليا لإسرائيل، وفق توصيفه.

خطاب التخوين واستعادة أدوات الماضي

ينتقد يتيم استمرار ما يسميه مربع التخوين، معتبرا أن بعض القوى السياسية لا تزال تستخدم أدوات تعود إلى مرحلة ما بعد عام 2005، بما في ذلك المناورة بين الخطاب العلني والمواقف غير المعلنة.

ويرى أن هذا النهج لم يعد قابلا للاستمرار في ظل ما يصفه بـ"التهديد الكياني" الذي يواجهه لبنان، داعيا إلى مواقف واضحة وحاسمة.

كما يحذر من احتمال تصاعد الضغوط الدولية، بما فيها العقوبات، في حال استمرار هذا المسار، مشدداً على أن الفاعلين المحليين ليسوا وحدهم في الميدان.

إسرائيل تعلن نيتها احتلال جنوب لبنان

المجتمع كأداة صراع.. بين التعبئة والتفكك

يتوقف يتيم عند البعد الاجتماعي للأزمة، مشيرا إلى وجود شارع مدار يتم استخدامه لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، مقابل بيئات تعاني الفقر والتهميش، ما يسهل توجيهها.

ويعتبر أن أخطر ما في المشهد هو "اللعب بالناس"، من خلال تهجيرهم واستخدامهم في سياقات الصراع الداخلي.

ويحذر من أن خلق عداوات داخلية بين مكونات المجتمع اللبناني يؤدي إلى انعكاسات خطيرة على الاستقرار، حيث يدفع المدنيون الثمن المباشر لأي تصعيد.

الطائفة الشيعية بين الحروب والرهانات الإقليمية

يقدم يتيم قراءة تاريخية لمسار الطائفة الشيعية في لبنان، معتبرا أنها دفعت أثمانا باهظة نتيجة انخراطها في صراعات إقليمية متعددة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويرى أن المرحلة الحالية تفرض مراجعة شاملة، في ظل ما يصفه بتعرض الحواضر الشيعية لضربات مباشرة على مختلف المستويات السكنية والاقتصادية.

كما يشدد على أن هذه الطائفة ليست كتلة واحدة، وأن جزءا منها لا يتبنى مفهوم ولاية الفقيه، ما يعكس تنوعا داخليا يتم تقييده، بحسب رأيه، عبر منظومة أمنية واجتماعية ضاغطة.

يخلص يتيم إلى أن المدخل الأساسي للحل يكمن في استعادة دور الدولة، بدءا من تفكيك المنظومة الأمنية والعسكرية غير الرسمية، وصولا إلى تعزيز حضور المؤسسات الرسمية في مختلف المناطق.

ويؤكد أن هذه العملية لا تتطلب بالضرورة مواجهة شاملة، بل يمكن أن تبدأ تدريجيا ضمن خطة واضحة تشمل الأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.