في خضم تصعيد إقليمي لا تهدأ جمراته، تجد الحكومة العراقية نفسها مكبّلةَ الخيارات، محاصرة بين قوتين عظميين لا تتوانيان عن انتهاك سيادتها، فيما يكتفي صانع القرار ببيانات الاستنكار وانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الكبرى.
في هذا السياق المتأزم، قرأ رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، في حديثه لسكاي نيوز عربية، ملامح المشهد العراقي بعين الباحث المتخصص، مقدما تشخيصا دقيقا لطبيعة الموقف الحكومي وحدوده وأوجه عجزه.
استدعاء السفيرين.. بروتوكول لا يغير المعادلة
وصف الشمري خطوةَ رئيس الوزراء العراقي في استدعاء سفيري الولايات المتحدة وإيران بأنها إجراء بروتوكولي متعارف عليه، مستندا إلى أن الحكومة باتت، وللمرة الأولى عقب اجتماع مجلس الوزاري للأمن الوطني، تسمي واشنطن وطهران صراحة بوصفهما طرفَين انتهكا السيادة العراقية، ومسؤولَين في الآن ذاته عن الهجمات التي طالت مواقع أمنية رسمية.
غير أن الشمري خلال حديثه لم يخف شكوكه في جدوى هذه الخطوة، مؤكدا أنها لن تفضي إلى فارق حقيقي على المستويين الدبلوماسي والعسكري.
وتساءل بنبرة نقدية واضحة: "ماذا بعد استدعاء القائم بأعمال السفارة الأميركية؟" مشيراً إلى أن هذا السؤال يتردد في أوساط النخبة السياسية القريبة من الحكومة ومن الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة على حد سواء.
3 أهداف تكتيكية وراء الخطاب الحكومي
كشف الشمري أن التحوّل في طبيعة الخطاب الحكومي، الذي يختلف جذريا عن مستوى الخطابات السابقة، يخفي وراءه أهدافا تكتيكية متعددة ومتشابكة:
أولها تخفيف الضغط المتراكم على الحكومة في ظل غياب أي رد فعلي على عمليات الاستهداف التي طالت المقرات الأمنية، لا سيما أن هذا الضغط يصدر عن بيئتها السياسية الأقرب، أي الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة. وثانيها امتصاص نقمة جمهور تلك الفصائل.
أما الهدف الثالث، فهو ما وصفه الشمري بـ"الدفاع السلبي" بمفهومه العلمي العسكري، إذ إن هذا الإجراء لن يدفع باتجاه تصعيد أوسع مع واشنطن، بقدر ما يعكس إعادة تموضع للحشد الشعبي وللمؤسسة الأمنية العسكرية الرسمية.
قلق من الانزلاق نحو الحرب
ربط الشمري هذا التحوّل في الخطاب الرسمي بـ"قلق شديد" من انزلاق العراق أكثر في رحى الحرب الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
ورأى أن الحكومة تلجأ إلى الردود الدبلوماسية المرنة بوصفها أداة لإثبات الحضور، لا بوصفها مسارا فعليا نحو قطع العلاقات مع واشنطن.
وعلى الصعيد العسكري، أسقط الشمري أي وهم بإمكانية المواجهة، مستندا إلى غياب الدفاعات الجوية وأجهزة الرادار، ومستخلصا أن الطريق الأجدى هو الانخراط في حوارات داخلية مكثفة مع الفصائل المسلحة للذهاب نحو إعلان وقف إطلاق نار، ثم الانتقال دبلوماسيا نحو طهران وواشنطن لتجنيب الأرض العراقية مزيدا من الهجمات.
لكنه استدرك فورا بأن هذا المسار ذاته يبدو محفوفا بالعقبات، "خصوصاً أن مرحلة الحسم بين طهران وواشنطن بلغت أعلى مستوياتها".
كردستان.. ورقة ضغط إضافية في معادلة متصدعة
في سياق متصل، تناول الشمري الهجوم الإيراني على إقليم كردستان، معتبرا أنه "يمثل نقطة تحول كبيرة"، خصوصا مع إعلان طهران وأربيل والحكومة الاتحادية مسؤولية إيران عن هذه الهجمات.
وأوضح أن ذلك يمثل محاولة للتصعيد بشكل أكبر، ليس فقط ضد الوجود الأميركي، بل ليشمل الإقليم، بهدف فرض "مزيد من الارتباك" واستخدام الإقليم "كجزء من ورقة الضغوط".
ودعا إلى رفع مستوى التنسيق بين بغداد وأربيل إلى أعلى مستوياته، لكنه استبعد أن يحقق اللجوء إلى مجلس الأمن نتائج ملموسة، واصفاً هذا الطريق بأنه "طويل"، معتبراً أن إيران قد لا تلتزم بقراراته.
الحكومة تنتظر ما لا تملك صنعه
رسم الشمري صورة قاتمة للوضع العراقي، مصرِحا بأن "موقف الحكومة ضعيف جدا"، وأنها لا تمتلك قدرة على توليد الخيارات، ولا هامشا كافيا للمناورة، "خصوصا وهي حكومة تصريف أعمال يومية".
وأشار إلى أن صانع القرار في بغداد بات ينتظر نتائج المفاوضات واحتمالات التوصل إلى هدنة، مستدلا على ذلك بأن الإطار التنسيقي ذاته يؤجل تعيين رئيس وزراء جديد ريثما تتضح نتائج الحرب.
وختم الشمري تحليله بعبارة لافتة تلخص المأساة العراقية: "من المؤسف جدا أن مصير هذا التصعيد في العراق مرتبط بمصير ونتائج الحرب والمفاوضات بين واشنطن وطهران"، في إشارة صريحة إلى أن بغداد لم تعد سيدة قرارها في لحظة مفصلية من تاريخها.