بعد ألف يوم من حرب دمّرت الدولة والمجتمع يقترب السودان من حافة التفكك، وفق تحذيرات أطلقتها عشرات المنظمات الحقوقية، التي ناشدت المجتمع الدولي التحرّك العاجل لوقف الحرب الدائرة في البلاد، في ظل فشل القيادة المحلية واستمرار ضعف الاستجابة الإقليمية والدولية.
وذكرت أكثر من 60 منظمة حقوق إنسان سودانية وإقليمية ودولية، في بيان مشترك صدر تزامنًا مع مرور ألف يوم على اندلاع الحرب، أن النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم يعد مجرّد صراع على السلطة، بل تحوّل إلى حرب شاملة ضد المدنيين، تُرتكب خلالها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وسط إفلات شبه تام من العقاب.
حرب بلا أفق سياسي
واندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 على خلفية خلافات بشأن ترتيبات الانتقال السياسي.
وبحسب البيان، أطاحت الحرب عمليًا بآمال الانتقال المدني الديمقراطي، وفتحت الباب أمام عسكرة الدولة وتفكك مؤسساتها.
وأشارت المنظمات إلى أن القتال داخل المدن، واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة، حوّلا الأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات إلى أهداف مباشرة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
كما حذّرت من استمرار تدفّق الدعم العسكري الخارجي لطرفي النزاع، معتبرة أن ذلك أسهم في إطالة أمد الحرب ومضاعفة الانتهاكات بحق المدنيين.
أرقام تعكس حجم المأساة
وتُظهر بيانات مستقلة، من بينها مؤشرات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، أن السودان بات من أخطر بؤر النزاع في العالم، إذ قُتل أكثر من 17 ألف شخص خلال عام 2025 وحده، وما لا يقل عن 150 ألف شخص منذ اندلاع الحرب، غالبيتهم من المدنيين.
وصُنّف السودان ثاني أكثر النزاعات دموية عالميًا، بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وعلى الصعيد الإنساني، أفاد برنامج الغذاء العالمي بأن 21.2 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما أُجبر أكثر من 13 مليون شخص على النزوح، بينهم 9.3 مليون نازح داخليًا و4.3 مليون لاجئ في دول الجوار.
القضاء أداة للصراع
وسلّط البيان الضوء على ما وصفه بـ"الانهيار المنهجي لاستقلال القضاء"، مشيرًا إلى توظيف المنظومة العدلية كسلاح سياسي، عبر محاكمات تفتقر إلى معايير العدالة، وأحكام إعدام وسجن طويلة بحق مدنيين ومعارضين، إضافة إلى اعتقالات تعسفية على أسس سياسية وعرقية.
وأكدت المنظمات أن هذا النهج عمّق الانقسامات المجتمعية ورسّخ ثقافة الإفلات من العقاب.
صمت دولي وانتقادات للمؤسسات الإقليمية
وانتقدت المنظمات ما وصفته بـ"العجز المزمن" للمؤسسات الإقليمية، بما فيها جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، عن اتخاذ إجراءات رادعة أو فرض مساءلة حقيقية.
كما دعت المجتمع الدولي إلى تجاوز بيانات القلق، واعتماد آليات تنفيذية ملزمة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
صمود المجتمع المدني
ورغم انهيار مؤسسات الدولة، أشاد البيان بصمود المجتمع السوداني، مشيرًا إلى الدور الحيوي الذي أدّته "غرف الطوارئ" وشبكات الدعم الشعبي في توفير الغذاء والعلاج وعمليات الإجلاء، بقيادة متطوعين وشباب، في ظروف بالغة الخطورة.
واختتمت المنظمات بيانها بالتأكيد على أن أي عملية سلام ذات مصداقية يجب أن تكون بقيادة السودانيين أنفسهم، وأن تضع حماية المدنيين والمساءلة في صدارة الأولويات، محذّرة من أن استمرار الحرب بعد ألف يوم ينذر بانهيار كامل للدولة، ما لم يتحرّك المجتمع الدولي بصورة عاجلة وحاسمة.