تشهد مناطق شمال وشرق سوريا تطورات متسارعة تعكس انتقال المشهد من مرحلة الاشتباك المفتوح إلى مرحلة إعادة التموضع السياسي والأمني.
فمع بدء انتشار وحدات من الجيش السوري في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور والرقة، ووصول هذه القوات إلى الشدادي في الحسكة، برزت تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة ما جرى، وحدود التفاهمات القائمة، والتحديات التي تنتظر تنفيذ الاتفاق المعلن بين دمشق و"قسد" في ظل بيئة أمنية واجتماعية شديدة التعقيد.
خلفيات التحرك العسكري
يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحال أن ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه تطوراً عسكرياً تقليدياً، بل هو نتاج مسار مزدوج جمع بين التخطيط العسكري والتفاهمات السياسية.
ويشير إلى أن الحديث المتكرر خلال السنوات الماضية عن قدرات "قسد" العسكرية، من صواريخ متطورة وعربات مدرعة ومنظومات دفاع جوي، لا يعكس بالضرورة ما حدث على الأرض، إذ إن التطورات الأخيرة لم تُبنَ على منطق المواجهة المباشرة.
ويوضح رحال أن تفاهمات سياسية رُسمت خطوطها العريضة في باريس، قبل أن تُستكمل تفاصيلها النهائية في أربيل، ترافقت مع تحركات داخلية قادها مستشار الرئيس لشؤون العشائر، ما أسهم في تأمين موقف الحكومة في دمشق وصنع ضغوط مباشرة على قيادة "قسد".
خيارات "قسد" تحت الضغط
وفق قراءة رحال، وُضعت قيادة "قسد" أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب إلى مواجهة منفردة، أو تحمّل مسؤولية الواقع القائم والرضوخ للوقائع الجديدة.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن "قسد" وقعت في إشكاليات بنيوية، أبرزها اعتمادها الطويل على الغطاء الجوي للتحالف الدولي، وعلى منظومة معلومات واستخبارات مرافقة للعمليات القتالية.
ويضيف أن الانشقاقات التي شهدتها بعض المكونات العشائرية العربية، وما رافقها من ضغوط، دفعت "قسد" إلى التخلي عن أطراف جغرافية مقابل الحفاظ على مراكز ثقل أساسية في عين العرب والقامشلي والحسكة، في ظل خطة دولية قادها توم براك ونجحت في تحقيق أهدافها.
انسحابات لا معارك
يشدد العميد رحال على أن المشهد لم يكن حرباً بالمعنى العسكري، ولم تُسجَّل اشتباكات تصادمية أو معارك مباشرة. ويصف ما جرى بأنه سلسلة انسحابات متتالية، تلاها سدّ للفراغ الميداني، بدأ بالعشائر، ثم بالجيش السوري، بما يخرج التطورات من إطار "القتال التراجعي" إلى إعادة انتشار محسوبة.
المسار السياسي كخيار أقل كلفة
يرى رحال أن الحل السياسي يبقى الخيار الأفضل والأقل كلفة، مؤكداً أن الدعوة إلى التفاوض كانت ثابتة حتى في ظل اشتباكات جزئية وانسحابات محدودة.
ويعتبر أن تجنب المواجهات وحقن الدماء مصلحة مشتركة لدمشق و"قسد"، رغم أن الوصول إلى هذا المسار عملياً لا يبدو سهلاً كما يُطرح نظرياً.
تحديات ما بعد الاتفاق.. الصراع الكامن
يحذر رحال من أن المرحلة المقبلة لا تزال محفوفة بالتعقيدات، في ظل صراعات ثقافية وفكرية، وتصاعد حملات التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مختلف الأطراف، إلى جانب تبادل الاتهامات بشأن تهريب سجناء من تنظيم داعش، سواء من سجن الشدادي أو مخيم الهول.
ويؤكد أن المرحلة الأسهل مرّت مع توقيع الاتفاق، فيما تنتظر دمشق إجابات حاسمة حول مدى الالتزام الحرفي ببنوده، وقدرة مظلوم عبدي على ضبط التيارات المعارضة داخلياً، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الأصعب المرتبطة بضبط الأمن والاستقرار وإعادة المؤسسات.
ضبط الأمن وإعادة المؤسسات
يشير رحال إلى أن دخول الجيش السوري إلى هذه المناطق يمثل تحدياً معقداً في ظل اختلاف الإيديولوجيات، ما يحمّل الحكومة السورية وقيادة "قسد" السابقة عبئاً كبيراً في تنفيذ العملية من دون فتح الباب أمام أزمات مستقبلية.
ويؤكد أن نجاح هذه المرحلة مرهون بالقدرة على منع الاحتكاكات وإعادة الأمن بشكل تدريجي.
تصاعد التوتر في شمال شرق سوريا
أكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحال في تصريحات لغرفة الأخبار على "سكاي نيوز عربية" أن مناطق دير حافر وصولاً إلى حدود الشدادي وتل السمان وعين العرب تشهد حالة من التوتر، نتيجة محاولات بعض الأطراف رفض وقف إطلاق النار وجر قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اشتباكات.
وأوضح رحال أن قيادة قسد لن تنجر وراء هذه المحاولات، رغم احتمال تحول بعض الفصائل إلى خلايا غير منضبطة.
إعادة هيكلة الجيش السوري
وأشار رحال إلى غياب عقيدة عسكرية واضحة داخل الجيش السوري الحالي، مع نقص في التدريب والتكتيك وإدارة الفصائل.
وأوضح أن الجيش يمثل اليوم تجمعاً من عدة فصائل أُطلق عليه اسم "الجيش السوري"، داعياً إلى إعادة هيكلة شاملة تمنح كل مكون دوره الحقيقي ضمن القوات المسلحة ووزارة الداخلية، مع توفير قيادات واضحة وعقيدة موحدة.
تهديد متجدد من داعش
وحذر العميد رحال من عودة محتملة لتنظيم داعش، مع تحركاته في سجون الأقطان والشدادي ومخيم الهول، مشيراً إلى ضرورة تعاون وثيق بين الجيش السوري وقسد لضمان منع عودة الإرهاب والفوضى، التي قد تهدد الأمن والاستقرار ليس فقط في شرق الفرات، بل على كامل الأراضي السورية والجوار الإقليمي.