دشن المغرب وإسبانيا مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، بعد قطيعة دبلوماسية دامت أزيد من سنة بين البلدين الجارين، وانتهت باعتبار مدريد مخطط الحكم الذاتي هو الأساس الأكثر جدية وواقعية من أجل تسوية الخلاف حول الصحراء المغربية.

وإلى جانب أهميتها الدبلوماسية تكتسي عودة الدفء للعلاقات بين البلدين أهمية اقتصادية، حيث أعلن بيان مشترك تم اعتماده في ختام المباحثات المعمقة التي جرت بين العاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، عن قرار الاستئناف الكامل للحركة العادية للأفراد والبضائع بشكل منظم، بما فيها الترتيبات المناسبة للمراقبة الجمركية وللأشخاص على المستويين البري والبحري.

وقد أكد رئيس الحكومة الإسبانية الذي قام بزيارة للمغرب بدعوة من العاهل المغربي، إعادة الفتح التدريجي لمعبري سبتة ومليلية من أجل ضمان تدفق الأفراد وتداول البضائع عبر المراكز الجمركية القانونية.

وفي ديسمبر 2019، قرر المغرب غلق معبر باب سبتة المحتلة أمام "ممتهني التهريب المعيشي"، الأمر الذي خلق أزمة اقتصادية وسط التجار المحليين في المنطقة، زاد من حدتها قرار إغلاق الحدود لمنع تفشي فيروس كورونا، والأزمة الدبلوماسية بين البلدين.   

وكانت أزمة دبلوماسية قد اندلعت بين المغرب وإسبانيا، بسبب استقبال الأخيرة لزعيم انفصاليي جبهة البوليساريو إبراهيم غالي بجواز سفر مزور للعلاج، لأسباب "إنسانية بحتة" كما قالت مدريد، الأمر الذي وصفته الرباط بالازدواجية في الخطاب من طرف إسبانيا التي استقبلت على أرضيها متهم بجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

أهمية فتح معبري سبتة ومليلية

وكان عدد من المغاربة ممن يمتهنون ما يعرف بالتهريب المعيشي في المناطق المتاخمة لمعبر سبتة قد وجدوا أنفسهم بدون عائد مادي، بعد إغلاق الجيب الحدودي. وبالتزامن مع ذلك أطلقت الحكومة المغربية مشاريع إنمائية من أجل امتصاص البطالة وتوفير فرص عمل لنساء وأبناء تلك المناطق.

في هذا الصدد، قال رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، محمد بن عيسى، إنه وبالرغم من الإغلاق، فقد ظلت آمال الساكنة معلقةٌ على جانبي حدود الثغرين، وقد تلقت هذه الأخيرة خبر إعادة فتح المعبرين بارتياح كبير، خاصة وأن جزءا من اقتصادهما يقوم على التجارة انطلاقا من سبتة ومليلية.

وحسب ما أكده بن عيسى، في حديث مع "سكاي نيوز عربية"، فإن الساكنة تستفيد بشكل كبير من الدينامية الاقتصادية التي تخلقها المعابر الحدودية بين المغرب وإسبانيا سواء البرية أو البحرية، من خلال ما تحدثه هذه الأخيرة من فرص عمل على جانبي الحدود.

ويلفت بن عيسى إلى الأهمية التي يكتسها اتفاق المغرب وإسبانيا على إعادة فتح معبري سبتة ومليلية اللذين أغلقا لما يزيد عن السنتين، في إنعاش الأنشطة السياحية والتجارية، في شمال المغرب وجنوب إسبانيا على حد السواء.

ويؤكد المتحدث، على أن البدائل الاقتصادية التي اعتمدها المغرب بعد إغلاق المعابر، نجحت نسبيا في التخفيف من وطأة التداعياته الاقتصادية، على الأسر وسكان المناطق المتاخمة للثغرين، ممن كانوا يستفيدون من الأنشطة التجارية والسياحية المرتبطة بالمدينتين الخاضعتين للإدارة الاسبانية.

أخبار ذات صلة

صناعة السيارات تنعش صادرات المغرب وسط تزايد الاستثمارات
إسبانيا: المبادرة المغربية هي الأساس لحل النزاع حول الصحراء

شراكة استراتيجية

ويلفت عدد من المتتبعين إلى أهمية عودة العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين إلى مسارها الطبيعي، في الحفاظ على علاقات اقتصادية متينة، وتعزيز الشراكة الاستراتجية التاريخية.

ويرى شمس الدين عبداتي، رئيس المركز الدولي لحل النزاعات، أن قرار إعادة فتح معبري سبتة ومليلية وفق شروط تنظيمية جديدة، من شأنه أن يعود بالكثير من المكاسب على الجانبين وأن يحيي دينامية اقتصادية داخل المدن الحدودية، ويوفر فرص شغل للساكنة التي عانت جراء الأزمة الاقتصادية التي أعقبت إغلاق الحدود بين المغرب أو إسبانيا.

ويعتبر المتحدث أن "عودة الدفء للعلاقات المغربية الإسبانية من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة للتعاون، خصوص وأن المغرب يعتبر من أهم شركاء إسبانيا، لعدة عوامل من بينها القرب الجغرافي بين البلدين، وانتشار اللغة الإسبانية في عدد من المدن شمال المغرب، مما حفز العديد من الشركات الإسبانية على الاستقرار في تراب الجارة الجنوبية".

ويتوقع عبداتي، في تصريح لـ"سكاي نيوز عربية"، أن يتسع مجال التعاون الاقتصادي بين البلدين بعد أن تم حل الملفات العالقة بينهما وأهمها ملف الصحراء المغربية، بعد الاعتراف الاسباني بالمقترح المغربي للحكم الذاتي كأساس واقعي لحل النزاع.

ويضيف عبداتي أنه من المرجح أن تتجه العلاقات بين الرباط وإسبانيا نحو مزيد من التحسن على ضوء التطورات الجديدة في اتجاه تعزيز الشراكة بينهما في العديد من القطاعات كالصيد البحري والفلاحة والطاقات المتجددة وغيرها.

التعاون المغربي الإسباني بالأرقام

وتحافظ إسبانيا منذ سنوات على مكانة هامة كشريك تجاري استراتجي للمغرب،  حيث أكد وزير الشؤون الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، أن الرباط ومدريد مرتبطان بأزيد من 16 مليار أورو قيمة المبادلات الخارجية، وبأن المغرب يعتبر ثالث أكبر شريك اقتصادي لإسبانيا من خارج الاتحاد الأوروبي.

وكشف الوزير خلال ندوة صحفية، أن الصادرات الإسبانية نحو المغرب قد ارتفعت بنسبة 29 في المئة في سنتي 2020 و2021، موضحا أن 17 ألف شركة إسبانية لها علاقة تجارية مع المغرب، و700 أخرى مستقرة في البلد الجار. 

هذا وبلغت قيمة الواردات من إسبانيا أزيد من 60.36 مليار درهم حتى متم سبتمبر 2021، بينما فاقت الصادرات نحو إسبانيا 35.21 مليار درهم خلال نفس الفترة، وفق بيانات مكتب الصرف (حكومي).