كل شيء تراثي في ولاية تيزي وزو الجزائرية مرتبط بشجرة الزيتون، حتى مقاومة المحتل الفرنسي ارتبطت بالاختباء في حقولها؛ وهو ما دفع الأهالي ومهتمون بالتراث للمبادرة بإعادة بناء المنطقة بطابعها التراثي المميز؛ حتى لا يتآكل في ذاكرة الجزائريين كما أكلته في الأرض نيران حرائق الغابات الشهر الماضي.

وألحقت حرائق غابات الجزائر خسائر مادية ومعنوية لا تقدر بثمن، ولا سيما بمنطقة القبائل، أو باللغة الأمازيغية "ثامورث إدورار- ثامورث ن قبايلي"، وخاصة في ولاية تيزي وزو شمال وسط البلاد، وأسفرت عن وفاة العشرات، وإتلاف 5000 هكتار من الأشجار، أغلبها الزيتون، وتدمير عمائر تراثية سكنية وتجارية تحافظ على صناعات نادرة في الحلي ومعاصر الزيتون الحجرية.

في لقاءات مع "سكاي نيوز عربية" يحكي أهالي تيزي وزو عن مبادرتهم، فتقول الصحفية سهام سهل: "يتعلق السكان بأشجار الزيتون التي تربطهم بها علاقة روحية نشأت منذ مئات السنين".

أخبار ذات صلة

مبادرة لغرس 1.5 مليون شجرة لإعادة "رئة الجزائر" بعد الحرائق
فيديو.. حرائق هائلة تلتهم غابات شفشاون شمالي المغرب

 

وتوضح أن تيزي وزو تضم 500 معصرة زيتون تجمع بين التقنيات القديمة والحديثة، وتحتوى 80 معصرة على المكابس التقليدية المصنوعة من الحجارة؛ ولذا يجري حصر المعاصر المتضررة لإعادة بنائها على التراث الحجري الذي يتوارثه الصناع عن الأجداد.

وعن أشجار الزيتون قالت بأسى: "شجرة الزيتون المباركة تستغرق سنوات وسنوات لتحمل زيتون قوي المذاق، وكلما زاد عدد السنوات زادت عملية الإثمار، وتحسنت الجودة، أشجار الزيتون هذه لم تعد موجودة الآن، مما يعني أن إعادة زراعتها من جديد لن يوصل لذات النتيجة".

ويلفت عبد الرحمن الأشيلي، محاسب، إلى قيمة أخرى لهذه الأشجار: "إذا رجعنا إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، كان الناشطون (المقاومون) يختبئون في هذه الأشجار، هناك ارتباط روحي بين الأهالي والأشجار المحترقة".

كما أن: "استخدامات الزيتون تتجاوز الزيت، فالأهالي يستخدمونه في كل شيء، من الطعام إلى منتجات التجميل، والأفرع للتدفئة، والخشب لصناعة الطاولات، حتى الأوراق التالفة لإطعام الحيوانات، كل شيء هنا يعتمد على تلك الأشجار".

المعاصر الحجرية

السعيد أومالو صاحب مطحنة "تيزي رشيد"، من أشهر وأقدم المعاصر والمطاحن، يقول إنه "على الرغم من أن معصرته قديمة ومصنوعة من الحجر، إلا أن هذا يعطيها قوة لعصر كميات كبيرة من الزيتون في فترة وجيزة مقارنة بالمعاصر الجديدة".

الجزائر.. حملة تشجير واسعة ردا على حرائق الغابات

 

كما "يتميز طعم زيت الزيتون المعصور على الحجر بمذاق مختلف عن غيره"؛ ولذا فهي وجهة لعائلات وسيًّاح يأتونها خصيصا لشراء الزيت الطبيعي الأصيل في اللون والرائحة النقية، بحسب أومالو.

ويعتزم أومالو إعادة بناء المعصرة على الطراز القديم حتى لا تفقد المنطقة هويتها، مشيرا إلى أن عصر الزيتون بالطريقة التقليدية أمر معقد تتوارث أسراره العائلات، ويعبرون عن ارتباطهم بأشجاره بأن "جميع أفراد القرى يشاركون في الغناء وقت الحصاد بغض الطرف عن انتمائهم الطبقي ودرجاتهم التعليمية".

الأشجار تحكي تاريخ

وإلى جانب أشجار الزيتون، تضررت أشجار الخروب والبلوط، وتساور آشيلي مخاوف بشأن إعادة زراعتها؛ حيث يرى أن الغالبية لا يهتمون بها كما يهتمون بأشجار الزيتون الثمينة.

أخبار ذات صلة

الجزائر.. وفاة شخصين بحرائق للغابات في 10 ولايات

 

وعن التراث المعماري ينبه آشيلي إلى أنه: "كانت هناك منازل تاريخية جميلة، لاسيما في بلدية "الأربعاء نايث إيراثن " في تيزي وزو الشهيرة بطراز معماري نادر".

ومن جانبه، يخطط يوسف خندق، طبيب عام يعتني بإرث عائلته في تيزي، لزراعة أشجار زيتون جديدة وبنفس المعايير القديمة؛ حفاظا على إرث العائلة.