تحت شعار "عامان من الكفاح"، خرجت مئات التظاهرات في مناطق سورية عدة يوم الجمعة 15 مارس 2013 لإحياء الذكرى الثانية لاندلاع الاحتجاجات المناهضة لحكم الرئيس السوري، بشار الأسد، التي تحولت إلى نزاع مسلح أودى بحياة أكثر من 70 ألف شخص، إلا أن بوادر انتقال حركات الاحتجاج الاجتماعية والسياسية غير المسبوقة التي هزت العالم العربي إلى سوريا سبقت هذا التاريخ.
ففي 04 فبراير 2011، تلقى بعض مشتركي الهاتف الخليوي رسائل نصية تؤيد الرئيس السوري، ومنها "الشعوب تحرق نفسها لتغيير رئيسها ونحن نحرق العالم ليبقى قائدنا"، وذلك ردا على دعوات للتظاهر ضد حكم حزب البعث المستمر في سوريا منذ نحو 50 عاما.
فقد نشرت مجموعة لم تكشف هويتها على فيسبوك "بيان الثورة السورية ليوم الغضب" قالت فيه "بعد صلاة الجمعة في الرابع من فبراير هو أول أيام الغضب للشعب السوري الأبي".
احتجاجات الحريقة
إلا أن تلك الدعوات التي طالبت بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية لم تلق آذانا صاغية عند السوريين حتى يوم 17 فبراير من العام نفسه حين تظاهر المئات في الحريقة وسط العاصمة دمشق احتجاجا على تعرض مواطن للإهانة على يد شرطي، وهتف المتظاهرون للمرة الأولى "الشعب السوري ما بينذل"، لكن وزير الداخلية تدخل لامتصاص الغضب.
وشهد يوم 15 مارس 2011 احتجاجا سياسيا نادرا حين تجمع عدد من الأشخاص في العاصمة دمشق استجابة لدعوة ناشطين على فيسبوك من أجل إلغاء قانون الطوارئ، وضد "أسلوب الحكم الفردي والفساد والاستبداد".
درعا.. "مهد الانتفاضة"
لكن النقطة التي أفاضت الكأس بنظر الكثيرين، هي عندما خرجت تظاهرات في درعا "مهد الانتفاضة" احتجاجا على اعتقال الأمن السوري 21 طفلا، لتدوينهم على الجدران شعارات تطالب بإسقاط النظام.
وفي 18 مارس، انطلقت أولى التظاهرات الحاشدة فيما سميت بجمعة الكرامة في ريف دمشق وحمص وبانياس ودرعا حيث سقط 4 قتلى برصاص قوات الأمن في سابقة في سوريا، وذلك خلال تفريق قوات الأمن السورية للتظاهرات.
في المقابل، انطلقت في اليوم نفسه تظاهرة مؤيدة للأسد في ساحة المسكية بدمشق، حيث رفع المشاركون الأعلام السورية وصورا للرئيس السوري ووالده الرئيس الراحل حافظ الأسد.
ومع تصاعد وتيرة التظاهرات التي جوبهت بقمع من القوات الأمنية، قالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في أواخر شهر مارس 2011 إن عدد الذين قتلوا في "الحملات الحكومية العنيفة ضد المحتجين" بلغت نحو 73 شخصا.
الأسد: سوريا تتعرض لمؤامرة
وفي 30 مارس، ألقى الأسد أول خطاب له منذ اندلاع الاحتجاجات حاول فيه احتواء تلك الأزمة الطارئة عبر التأكيد على أن حزب البعث يدرس سبل مكافحة الفساد وخلق المزيد من الوظائف، معتبرا في الوقت نفسه أن بلاده تتعرض لمؤامرة كبيرة امتدت خيوطها من دول قريبة، ودول بعيدة، ولها عناصر في الداخل، على حد قوله.
إلا أن خطاب الأسد خالف التوقعات بشأن رفع قانون الطوارئ الساري المفعول في البلاد منذ وصول حزب البعث إلى سدة الحكم في عام 1963، ما أثار غضب المعارضين الذين خرجوا إلى الشارع في مدن عدة، لاسيما في اللاذقية حيث أطلقت الشرطة السورية النار على المحتجين.
ومع قيام قوات الأمن السورية بحملة اعتقالات واسعة ردا على تظاهرات شارك فيها الآلاف، ندد البيت الأبيض في مطلع أبريل 2011 بأعمال العنف السياسي في سوريا، كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن "قلقه الشديد"، إثر سقوط قتلى مدنيين خلال تظاهرات يوم الجمعة 1 أبريل.
إلغاء قانون الطوارئ
وتزايدت الاضطرابات في البلاد وخرج المئات في درعا ومناطق أخرى في تظاهرات يومية، لكن الرئيس السوري واجهها بإعلان إلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق وعود بإصدار قانون ينظم التظاهر الذي يكفله الدستور وقانون جديد للإعلام ودراسة قانون الأحزاب.
وفي وقت بدأت الانشقاقات تتزايد عن الجيش السوري، أعلن المقدم في الجيش السوري، حسين هرموش، في 9 يونيو 2011 عن تأسيس لواء الضباط الأحرار للدفاع عن المدنيين، قبل أن يعلن العقيد رياض الأسعد بعد شهر عن تأسيس الجيش الحر.
واجتذبت حمص ودوما اهتماما دوليا بعد انضمامهما إلى درعا وحماة بوصفهما نقطتين ساخنتين، وكان أكثر الأيام دموية هو 31 يوليو 2011 بعدما قتل 150 شخصا كان أغلبهم في حماة التي اقتحمتها قوات الأمن السورية بالأسلحة الثقيلة و الدبابات لأول مرة بعد حصار دام شهرا.
وفي 8 سبتمبر 2011، اختطف قائد حركة الضباط الأحرار حسين هرموش في تركيا ونقل إلى قبضة السلطات في سوريا، وبعدها بأسبوعين انضم الجيش الحر إلى حركة الضباط الأحرار تحت قيادة عسكرية موحدة.
وفي 25 ديسمبر 2011، كان عدد المنشقين عن القوات الحكومية قد وصل إلى 40 ألفا حسب قائد الجيش الحر رياض الأسعد الذي كان اجتمع في تركيا مع أعضاء من المجلس الوطني السوري المعارض، بينهم رئيس المجلس حينها برهان غليون.
المراقبون العرب
ومع تحول الاحتجاجات إلى نزاع مسلح بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة، أرسلت الجامعة العربية في شهر ديسمبر وفدا من مراقبين عرب إلى سوريا في إطار بروتوكول يهدف إلى الخروج من الأزمة، إلأ أن مهمة المراقبين باءت بالفشل.
وشهدت الدول المجاورة لسوريا تدفقا هائلا للاجئين في مطلع عام 2012، وذلك في ظل تصاعد وتيرة العنف في مختلف أنحاء البلاد، لاسيما بعد أن أقحم الجيش السوري سلاح الجو في معركته ضد من يصفهم بالإرهابيين.
ومع استمرار المساعي السياسية لوقف نزيف الدم في سوريا، كان من المفترض أن يبدأ سريان وقف لإطلاق النار في الثاني عشر من أبريل 2012 مع وصول مراقبين من الأمم المتحدة إلى سوريا، ألا أن أحداثا دامية عدة خرقت هذا الاتفاق.
ففي 10 مايو، قتل 55 شخصا في تفجير سيارتين ملغومتين بدمشق، بعدها أسبوع قال الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إنه يعتقد أن القاعدة مسؤولة عن الهجمات.
وبعدها بأسبوعين، وقعت مذابح واسعة النطاق للمدنيين قتل في إحداها 108 أشخاص في الحولة، تلتها بعشرة أيام فقط مجزرة أخرى في القبير بريف حماة، راح ضحيتها 140 شخصا.
تفجير مبنى الأمن القومي وتقدم المعارضة
وفي 18 يوليو، شهدت سوريا ما وصف بأعنف ضربة للنظام في النزاع الدائر، وذلك بعد تفجير في مبنى الأمن القومي في دمشق أودى بحياة وزير الدفاع داود راجحة ونائبه آصف شوكت، وهو صهر الأسد، ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار، ورئيس خلية إدارة الأزمة حسن تركماني. كما أصيب في الانفجار وزير الداخلية محمد الشعار.
كما حققت فصائل المعارضة المسلحة مكاسب ميدانية في صيف 2012 بعد انتقال المعارك من حمص إلى محافظات أخرى، حيث نجحت المعارضة في السيطرة على مناطق واسعة من ريف حلب وريف إدلب الواقعة على الحدود مع تركيا، وأخرى في دير الزور شرقي البلاد، في حين شهدت تخوم العاصمة دمشق مواجهات بين القوات الحكومية والمعارضة التي تتمركز في عدد من قرى ريف العاصمة.
تصاعد حركة الانشقاقات
وبالتوازي مع تقدم المعارضة، تصاعدت حركة الانشقاق في صفوف النظام السوري، وأبرزها انشقاق رئيس الوزراء السوري رياض حجاب في 6 أغسطس 2012، وذلك غداة انشقاق رئيس فرع المعلومات بالأمن السياسي في دمشق العقيد يعرب محمد الشرع.
وسبق هذا انشقاق العميد مناف طلاس نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس في يوليو من العام نفسه، في وقت شهد السلك الدبلوماسي بدوره انشقاق عدد من السفراء، أبرزهم السفير السوري في العراق.
إلا أن "الانشقاق الناعم" للمتحدث باسم وزارة الخارجية السورية، جهاد مقدسي في مطلع ديسمبر، اعتبر ضربة موجعة للحكومة السورية رغم أن الأخير لم يعلن صراحة انضمامه للمعارضة.
جبهة النصرة
وطوى عام 2012 آخر صفحاته على وقع تصاعد حدة الانقسامات والتوترات الطائفية جراء النزاع الدائر في البلاد، لاسيما بعد دخول جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة بقوة على خط النزاع المسلح، ما أثار حفيظة المجتمع الدولي.
وكان للنزاع الداخلي تداعياته على دول الجوار، إذ أطلقت سوريا صواريخ على بلدة تركية، ما أدى إلى مقتل 5 مدنيين، تبع ذلك احتجاز تركيا لطائرة سورية قالت إنها تحمل أسلحة من روسيا.
وفي يناير 2013، نشر حلف شمال الأطلسي "ناتو" في تركيا منظومة صواريخ "باتريوت" المصممة لاعتراض صواريخ كروز وصواريخ بالستية ومقاتلات جوية، وذلك لحماية الأراضي التركية من أي هجمات محتملة من الجانب السوري.
كما أعرب المجتمع الدولي عن تخوفه من انتقال الحرب في سوريا إلى العراق شرقا ولبنان غربا، حيث تبادل حزب الله اللبناني والمعارضة السورية المسلحة الاتهامات والتهديدات على وقع سقوط قذائف من الجانب السوري على الأراضي اللبنانية.
وبعد عامين على النزاع المستمر في سوريا، يحصي السوريون قتلاهم بما يزيد على 70 ألف قتيل، فيما تقدر الأمم المتحدة أعداد الفارين من جحيم الحرب في دول الجوار السوري بنحو مليون لاجئ قد تتضاعف أعدادهم ثلاث مرات إذا استمرت موجات النزوح بوتيرتها الحالية.