أبوظبي - سكاي نيوز عربية

أثارت خطب وتصريحات عبد الحي يوسف، إمام مسجد "خاتم المرسلين" في ضاحية جبرة بجنوبي العاصمة السودانية الخرطوم، الكثير من الجدل والمخاوف.

ففي حين ربطها البعض بمحاولة لتمهيد الطريق لعودة تنظيم الإخوان الإرهابي الذي كان يتمتع تحت ظله بامتيازات كبيرة، رأى فيها البعض بروزا لنزعة إرهابية وتطرفية جديدة.

وتزايدت حدة الجدل بعد حديث له اعتبرته وزيرة الشباب والرياضة، ولاء البوشي "تكفيرا" لها، ورفعت على هذا الأساس قضية ضده أمام القضاء وسط مساندة قوية لها من نشطاء حقوقيين ومدونين على وسائط التواصل، إضافة إلى إعلان الحكومة دعمها لها.

وفي أول رد فعل رسمي على تصرفات عبد الحي واتباعه، اعتبر وزير الشؤون الدينية والأوقاف، نصر الدين مفرح، أن عبد الحي يسعى للفتنة. ونقلت عنه صحيفة التيار السودانية القول إن وزارته تعتزم إصدار قانون لضبط الخطاب الديني.

وتجددت المخاوف بعد انتشار مقطع فيديو يظهر فيه عدد من الشباب (الجمعة) وهم يبايعون يوسف كأمير للمؤمنين، على غرار ما حدث مع أبوبكر البغدادي في العراق وسوريا، ونشوء ما عرف بعد ذلك بـ"تنظيم داعش في بلاد الرافدين".

أخبار ذات صلة

السودان يضع حدا لانتهاكات شركات الذهب "الإخوانية" الجسيمة
نساء في قمة الدولة والجامعات..."كنداكات" السودان يخضن التحدي

 امتيازات ضائعة

ومن المعروف أن يوسف كان مقربا من  المعزول عمر البشير، الذي اعترف خلال التحقيقات التي تجرى معه في إطار محاكمته فيما يعرف بقضية التعدي على المال العام، أنه منح يوسف مئات الآلاف من الدولارات وهو ما لم ينفيه الرجل، لكنه قال إن الأموال كانت لقناة طيبة التلفزيونية التي يرأسها وليست له.

واحتفظ عبدالحي أيام حكم البشير بأكثر من 12 منصبا ووظيفة، من بينها نائب رئيس هيئة علماء المسلمين واستاذا مساعدا بجامعة الخرطوم، رغم تشكيك أكاديميون كبار مثل البروفسير محمد سعيد القدال، للمعايير والطرق التي حصل بها على درجتي الماجستير والدكتوراه، وهو ما قد يفسر العلاقة القوية بين الرجل وتنظيم الإخوان، الذي كان يتحكم في الشأن الأكاديمي في العديد من الجامعات السودانية منذ العام 1989.

نظرة متطرفة

وكان اسم يوسف قد ارتبط أيضا بتعامل نظام الإخوان العنيف مع المتظاهرين العزل، بعد اندلاع ثورة ديسمبر، والتي أطاحت بنظام الإخوان في أبريل، حيث أشارت تقارير إلى أنه أفتى للبشير بجواز قتل ثلث الشعب لإخماد الثورة، وهو ما أثار ضده انتقادات حادة.

وفي مايو 2011 دعا يوسف علنا لأداء صلاة الغائب على أسامة بن لادن بعد مصرعه، وقال حينها إن ابن لادن "شهيدا عظيما" و "يمثل الإسلام الحقيقي" وحلل وقتها عملية تفجير برجي مركز التجارة العالمي في العام 2001 في نيويورك.

ورأى يوسف في أسامة بن لادن مصدر رعب لـ "الكفار والمنافقين" وأنه عمل من أجل نصرة المسلمين، ومجاهدا وشوكة في حلق ما أسماهم ب "أعداء الإسلام".

تداعيات خطيرة

وحذر المتخصص في دراسات التطرف والإرهاب، الهادي الأمين، من تداعيات عقد البيعة، واعتبره سابقة نادرة تحمل مؤشرات خطيرة تضع البلاد في مواجهة مباشرة مع العالم الخارجي، حيث ستكون لها انعكاسات وتداعيات ومضاعفات سالبة علي علاقات السودان بالأسرة الدولية، علاوة على أنها تخلق جوا تحريضيا ومناخا مواتٍ لتصاعد العنف الديني والتطرف والإرهاب والصدام وإثارة الفتن الدينية.

 ويرى الأمين أن من شأن ما حدث أن يقود البلاد نحو سيناريوهات قاتمة ويمهد للانزلاق في أتون الفوضى والاضطرابات، في بلد تمر بظروف انتقال وتحولات حرجة وحالة هشاشة في الأوضاع وتجلس علي رمال متحركة وليست علي أرضية أو قاعدة صلبة. 

ووفقا للأمين، فإن الأمر الأخطر هو أن البيعة التي تمت حتى الآن لم يستنكرها يوسف، ولم يستهجنها ولم ينكرها أو يهاجم الذين عقدوها، وإنما نفي علمه بها ولم يحمل بيانه الذي أصدره حكماً شرعياً بشأن هذه القضية التي جرت وقائعها بداخل مسجده، واكتملت فصولها في الساحة الشرقية للمسجد.

ويشير الأمين إلى أن هذه البيعة تعد ثاني بيعة في واقعنا الراهن بعد إعلان أبو بكر البغدادي قيام ما يسمى بخلافة داعش في بلاد الشام، لذلك ستشكل أخطر تحديات الفترة الانتقالية وأكبر مهدد لأمن وسلامة البلاد، وربما يتسع تأثيرها ليهدد أمن وسلامة دول أخري في المحيطين العربي والأفريقي.

اتجار بالدين

وتتطرقت هناء عثمان، الباحثة في مجال العلوم السياسية إلى الأمر من زاوية أخرى، فهي ترى في تصرفات وسلوكيات يوسف نوعا من التجارة بالدين التي ظل يمتهنها معظم "المتأسلمين"، الذين يتخذون من الدين مطية.

وترى عثمان أن المصلحة الذاتية هي أكثر ما يوجه تصرفات يوسف وليست المبادئ، وتدلل على ذلك بالقول بأنه وفي الوقت الذي يدعو فيه يوسف أبناء المسلمين للتوجه الي الجهاد والاستشهاد، دخل في حالة هستيرية عندما علم بتوجه نجله للقتال في الصومال.

وتنبه عثمان إلى نقطة جوهرية تتعلق بتركيز يوسف على استهداف النساء بشكل خاص، مشيرة إلى تحريمه كرة القدم النسائية ووصم وزيرة الشباب والرياضة بالكفر.

وتستغرب عثمان هذا التصرف وتقول إنه وعلى الرغم من وجود فرق كرة قدم نسائية في السودان منذ 2008 أي في عهد البشير إلا أن الأمر لم يزعج يوسف.

سمات واضحة

ومن وجهة نظر الناشط السياسي سليمان إدريس، فإن الكثير من سمات "الداعشية" والتطرف تنطبق على عبدالحي عمليا، فهو قاد مظاهره مؤيده لداعش وصلى صلاة الغائب علي بن لادن.

ويقول إدريس أن المعزول البشير سارع لاحتضان يوسف، ومنحه مزايا عديدة للدرجة التي وصل عدد المناصب والوظائف التي كان يتقلدها في وقت واحد إلى 12 وظيفه.

ووفقا لإدريس من الواضح أن الإخوان باتوا أكثر ميلا لخلط الأوراق من خلال تأجيج الفتن والتطرف، وهو أمر سيجر البلاد إلى مزالق قد يصعب الخروج منها وقد يزيد من تعقيد الموقف بالنسبة للحكومة الانتقالية.

مواقف عديدة

ويقول المحلل السياسي محمد عبدالرحيم إنه لا يمكن أن تتم قراءة تحليلية دقيقة لمواقف عبد الحي يوسف الأخيرة بمعزل عن مواقفه السابقة من الثورة السودانية، وما قبلها من مواقف معلنة في علاقته مع تنظيم القاعدة؛ فالرجل لم يدخر جهدا في محاولة إفشال ثورة الشباب السوداني مستخدما كل الوسائل بما في ذلك منابر المساجد التي يدعو في مناسبات كثيرة إلى عدم تحويلها لمنابر سياسية وهو نفسه يستخدم هذه المساجد في قيادة حراكه ضد الحكومة السودانية الحالية إلى حد تكفير وزيرة ووصف الآخرين بأنهم جاءوا لهدم الدين.

ويرى عبدالرحيم أن هذا التناقض بين الدعوة والفعل سمة من سمات شخصية الرجل، ويمكن تفسير مواقفه الأخيرة بما في ذلك حصوله علي بيعة من بعض أتباعه كأمير للمؤمنين، سواء أن تمت بعلمه أو دون علمه ضمن سياقين، الأول وضع متاريس جديدة أمام حكومة حمدوك في مساعيها لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والثاني وهو الأخطر، أن يوسف يقوم بجهد وكالي عن تنظيم الإخوان أو تنظيمات أخري لإحياء فتنة دينية في السودان تقود إلى صراع مسلح ينقل صوت البندقية من الأطراف إلى داخل العاصمة الخرطوم، ثم يتوسع هذا الصراع إلى بقية مناطق السودان علي عكس الصراعات المسلحة الأخرى التي شهدها السودان.

 فتن وبلبلة

من وجهة نظر الناشط السياسي صلاح صيام فلا بد من تحجيم ظاهرة عبد الحي، "لأن ما يدعو له يثير الفتن ويخلق البلبلة وسط المجتمع، وهو ويستغل منابر المساجد في غير أغراضها لان المساجد هي بيوت لله ولكل المسلمين دون تحديد تيارات.

ويقول صيام  لموقع "سكاي نيوز عربية" إن عبد الحي يدعو الى تغليب مجموعة ضد أخرى وهذا يعني أن المواطنة ليست هي أساس الحقوق في البلد وهذا ضد الدستور المدني، كما وان دعوته لتمكين الشريعة بمنظوره هي ضد الدستور.

ويشير صيام إلى ان لعبدالحي ممارسات كثيرة دار حولها الحديث حول الفساد المالي والإداري تستدعي التحقيق وأيضاً هناك تسجيلات كثيرة وصورة يدعو فيها للخروج عن الدولة وهذه تستوجب الاعتقال والتحقيق

ويطالب صيام بحل هيئة علماء المسلمين "فهي تحتاج إلى مراجعة تؤدي إلى حلها نظرا لان الطبيعي أن تعنى وزارة الشئون الدينية بكل الأديان التي يدين بها المجتمع السوداني دون تمييز دين على آخر.

وينبه  الناشط السياسي إلى أن لعبدالحي آراء مخالفة تحرض على العنف والكراهية وهناك اثباتات كثيرة لهذا الأمر مثال لها ما قاله عن وزيرة الشباب آلاء البوشي.

ويؤكد صيام ان ظاهرة عيد الحي وأمثاله تستدعي مراجعة كل منابر المساجد والكيفية التي تدار بها لأن المنهج المتبع حاليا لا يساهم في رتق النسيج الاجتماعي.