بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، لم يتبق الكثير من الخيارات أمام الأكراد في مواجهة قرار تركي بالتدخل العسكري في المنطقة، لكن تفويت الفرصة على أنقرة يخضع لعدد من السيناريوهات.

وأعلن البيت الأبيض بدء سحب القوات الأميركية من شرق الفرات، بعد اقتراب نهاية حملتها لاستعادة كل الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، بينما قال مسؤولون أميركيون إن الانسحاب سيستغرق إطارا زمنيا من 60 إلى 100 يوم.

واعتبرت قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من أغلبية كردية قرار الانسحاب الأميركي المفاجئ من شرقي سوريا "طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين"، حسبما نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مصادر في تلك القوات.

وعلى الجانب الآخر من الحدود الشمالية، يتجهز الجيش التركي وفصائل سورية معارضة متحالفة معه من أجل شن عملية عسكرية واسعة في المناطق الكردية، بينما قال وزير الدفاع التركي خلوصي آكار إن "المسلحين الأكراد شرق الفرات في سوريا "سيدفنون في خنادقهم في الوقت المناسب.

تفاهم كردي مع النظام؟

ويبدو التفاهم الكردي مع الحكومة السورية أحد السيناريوهات المحتملة للتعامل مع الأزمة الجديدة الناجمة عن الانسحاب الأميركي.

وقال نائب الرئيس التنفيذي لمجلس سوريا الديمقراطية حكمت حبيب، لموقع سكاي نيوز عربية:" سنعمل بكافة الوسائل السياسية لمواجهة الخطر التركي. وهناك واجب على الحكومة السورية بالتوجه إلى الأمم المتحدة لمنع التحركات التركية".

وأوضح حبيب أنه لا يوجد تنسيق حتى اللحظة مع الحكومة السورية في هذا الأمر، "لكننا نتطلع إلى الحوار مع كل السوريين بما فيهم الحكومة السورية".

ولم يوضح حبيب ما هي النقاط التي يمكن التلاقي بشأنها مع الحكومة السورية، خاصة مع استعانتهم بالولايات المتحدة التي تعتبرها دمشق قوة احتلال أجنبي، لكنه قال "إن الأكراد يملكون مشروعا وطنيا وليس خاصا بهم، وهم منفتحون على الحوار مع جميع القوى الوطنية لحماية التراب السوري".

وترى دمشق أن بسط سيطرتها على المناطق الكردية، شيء أساسي لتفويت الفرصة على الأتراك، وتعتبر أن الدرس الأميركي "كاف" ليدرك الأكراد أنه لا يمكن الوثوق بواشنطن.

وقال المحلل السياسي السوري، القريب من الحكومة شريف شحادة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن "الحوار بين الحكومة والأكراد لم يتوقف، لكن الأكراد عولوا على الولايات المتحدة، وظنوا أن من الممكن أن يكسبوا دويلة شرقي الفرات، لكن يجب أن يفهم الأكراد أن تقسيم سوريا مستحيل.. وأنه لا يمكن الوثوق بالأميركيين".

أخبار ذات صلة

قوات سوريا الديمقراطية: الانسحاب الأميركي "طعنة في الظهر"
قوات سوريا الديمقراطية تحذر من "انتعاش داعش"

 وتوقع شحادة أن تدخل قوات الجيش السوري إلى كافة المناطق التي انسحبت منها القوات الأميركية "لتقطع الطريق على الذرائع التركية".

وتقول أنقرة إنه يجب تأمين الحدود السورية التركية، وعدم تركها للمقاتلين الأكراد الذين تربطهم علاقات مع حزب العمال الكردستاني المحظور.

وقال شحادة:" إذا كان يريد الأكراد قطع الطريق على تركيا فعليهم عدم عرقلة دخول القوات السورية إلى مناطقهم"، مشيرا إلى أنه لا يحق للأكراد أن يوافقوا أو يعترضوا لأن الأمر يتعلق بسيادة الحكومة السورية على جميع أراضي البلاد".

ومن جانبه، اعتبر المحلل السياسي التركي محمد زاهد غول أن هناك تفهما لدى جميع الأطراف الدولية للتحركات التركية من أجل تأمين حدودها، و"لا أعتقد أن أحدا سيمانع عملية عسكرية من هذا النوع".

وقال لموقع سكاي نيوز عربية أنه "من المستحيل" أن تدخل تركيا في مساومات على حساب أمن حدودها، "لكن الشيء الوحيد الذي ممكن أن يعرقل عملية عسكرية هو سيطرة النظام السوري على هذه المناطق".

وعبّر غول عن تشككه في قدرة الجيش السوري على الانتشار في المناطق الحدودية التي يبلغ طولها حوالي 600 كيلومتر مربع، قائلا:" إذا لم يستطع، فستقوم تركيا بعملية عسكرية لمعالجة هذا الوضع".

أخبار ذات صلة

بعد انسحاب واشطن.. باريس "ملتزمة عسكريا" في سوريا
ردا على ترامب.. بريطانيا تقول داعش لا تزال تمثل تهديدا

 ما تبقى من التحالف الدولي

وستأخذ عملية سحب ألفي جندي أميركي من شرق الفرات فترة تتراوح ما بين 60 إلى 100 يوم، ما يعني أن العمليات العسكرية في جيب هجين الذي يعد المعقل الأخير لداعش في البلاد ستستمر حتى هزيمة التنظيم نهائيا.

وقد أكدت قوات سوريا الديمقراطية استمرارها في المعركة ضد داعش في هجين، نافية ما أوردته وسائل إعلام عن سحب قواتها من المنطقة لحماية المناطق الكردية.

ويرى الأكراد أن الأطراف الأخرى في التحالف الدولي كفيلة بسد الفراغ الناجم عن الانسحاب الأميركي، خاصة مع تأكيد كل من فرنسا وبريطانيا في ردهما على قرار الانسحاب الأميركي أن العمليات ضد داعش لم تنته.

وقال حبيب:" الوجود الأميركي على الأرض رمزي أكثر منه عملياتي، حيث يقتصر على الدعم اللوجستي، لكن قوات سوريا الديمقراطية هي التي تقوم بالعمل".

واعتبر القيادي الكردي أن الوجود البري الأميركي كان يشكل رادعا للأتراك لعدم التدخل العسكري، لكن مع تأكيد الفرنسيين والبريطانيين دعمهما لعمليات التحالف، فإن ذلك يمكن أن يشكل بديلا جيدا، بحسب حبيب.

اللجوء لروسيا

واعتبرت روسيا قرار الانسحاب الأميركي من سوريا "خطوة صحيحة"، وقال الرئيس فلاديمير بوتن إن الوجود العسكري الأميركي في سوريا "غير شرعي"، معبرا عن ارتياحه إزاء سير عملية التسوية السياسية للأزمة السورية.

ولا يستثني مجلس سوريا الديمقراطية الطرف الروسي من المساعي من أجل حماية المناطق الكردية في مواجهة عمل عسكري تركي.

وقال حبيب:" نحن لم نقطع التواصل مع الروس.. ونحن منفتحين على كل القوى والدول بما فيها روسيا."

لكن الموقف الروسي يراهن على توسيع رقعة النظام السوري على مناطق الأكراد، وهو ما يحيل الساسة الأكراد إلى الخيار الأول، القاضي بالتنسيق مع دمشق.

وقال الكاتب والباحث في الشؤون الروسية رائد جبر لسكاي نيوز عربية إن "موسكو ستعمل على إعطاء ضمانات أمنية قوية لأنقرة تتيح للنظام السوري سيطرة كاملة على شرق الفرات، وتمنح تركيا تأمينا كاملا للحدود".

المواجهة

ووصلت تعزيزات تركية جديدة إلى ولاية غازي عنتاب الجنوبية وسط تدابير أمنية مشددة، وتوجهت منها إلى ولاية هطاي لتعزيز الوحدات المنتشرة على الحدود مع سوريا، بحسب وكالة الأناضول الرسمية. وتضم التعزيزات مركبات عسكرية بينها ناقلات جنود مدرعة.

وإذا فشلت المساعي الدولية في الوصول إلى صيغة مرضية للأطراف كلها، فإن الأتراك سيواصلون خطتهم العسكرية.

وأكد حبيب أنه لا يوجد أي نية لدى القوات الكردية لمحاربة الجيش التركي، لكن إذا شنت تركيا هجوما "سيتعين علينا الدفاع عن الأراضي السورية ضد أي اعتداء".