أبوظبي - سكاي نيوز عربية

مع توالي هبوب الأزمات الخارجية والداخلية، اتجهت تركيا إلى روسيا وإيران في إطار ما أطلق عليه "حلف أستانا"، للحصول على نصيب من الكعكة السورية والحماية من تقلبات العلاقة مع الغرب، وفي مقابل ذلك انقلبت أنقرة على شعارات "رحيل الأسد"، فبقاء النظام السوري أصبح قربانا للحلفاء الجدد.

وباتت معالم التحالف الثلاثي بين أنقرة وموسكو وطهران أكثر وضوحا من خلال عملية أستانا التي سحبت الملف السوري من طاولة جنيف برعاية الأمم المتحدة، ليصبح تقرير اتجاه النزاع بيد أطراف لها امتداد عسكري مباشر على الأرض السورية، ووفقا لمصالح يحددها الروس في المقام الأول ويستفيد منها كل من الإيرانيين والأتراك.

وعبر 10 لقاءات، رعت الدول الثلاث مناطق خفض التصعيد المصحوبة بعمليات تهجير وإزاحة للسكان لإعادة فرض سيطرة النظام السوري على معظم الأراضي التي كانت تخضع لفصائل المعارضة المسلحة، ليصل قطار الأزمة السورية إلى محطاته الأخيرة في الشمال السوري الذي ينتظر اتفاقا من أجل تقسيم النفوذ وإنهاء الحرب على الطريقة الروسية وبما يخدم بقاء الرئيس السوري بشار الأسد.

سقوط الطائرة والضعف التركي

فمنذ إسقاط الدفاعات التركية للطائرة الروسية قرب الحدود عام 2015، وما تلى ذلك من غضب روسي كاد أن يحدث ضررا كبيرا لأنقرة، أدرك الأتراك حقيقة النفوذ الروسي في المنطقة، وأن موقف الشركاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لم يزد على كونه أدبيا في أزمة كان يمكن أن تتخذ شكلا عسكريا، بحسب الخبير في الشؤون التركية محمد عبد القادر.

وهنا رأت أنقرة أن من مصلحتها تقتضي التوجه شرقا تبعا لميزان القوى الجديد الذي يميل في الحالة السورية لموسكو، فهي تضمن للأتراك الحصول على نصيبها أيضا في الكعكة السورية.

ويقول عبد القادر لـ"سكاي نيوز عربية": "تركيا أدركت ضعفها في أزمة الطائرة الروسية في ظل غياب الدعم الغربي، فبدأت بالتنازل عن شعارات إسقاط الأسد، وابتعدت عن جماعات المعارضة السورية المحسوبة على أنقرة منذ بداية الأزمة".

وفي المقابل، حصلت أنقرة على منطقة نفوذ في الشمال السوري، وأخذت ضوءا أخضر من موسكو للقيام بعمليات عسكرية مباشرة ضمنت لها منع إقامة كيان جغرافي متصل للأكراد على الحدود التركية.

انحراف البوصلة

وبدلا من مساندة المعارضة السورية المسلحة في المهمة الأساسية التي تشكلت من أجلها وهي إسقاط نظام الأسد، انحرفت البوصلة العسكرية للجماعات المدعومة من أنقرة من أجل قتال الأكراد لتحقيق الهدف التركي، أما رحيل الأسد، فقد سقط بين غبار المعارك في عفرين.

ويقول المعارض السوري زياد حمدان لـ"سكاي نيوز عربية" إن أردوغان الذي يواجه مشكلات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة "وجد في تحالف أستانا طريقة للتقرب من النظام السوري أملا في علاقات تجارية في المستقبل تعيد فتح الأسواق السورية للمنتجات التركية، فيما تنسحب أنقرة من التزاماتها تجاه الجماعات المسلحة التي دعمتها منذ البداية".

وبحسب سونر جاغابتاي مدير الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن "المسؤولين الأتراك يتسامحون أساسا مع سيطرة نظام الأسد على السلطة حتى عندما يقولون عكس ذلك في العلن"، فهم يريدون إعادة اللاجئين السوريين.

ولم تسع أنقرة إلى دمج 3.6 مليون لاجئ سوري في مجتمعها المحلي، وهو ما يشير منذ البداية إلى أن هدفها الرئيسي هو إعادتهم في مرحلة لاحقة، رغم أن غالبية اللاجئين من معارضي النظام السوري.

حماية اقتصادية؟

وفي مواجهة عقوبات أميركية متمثلة في فرض رسوم ضخمة على الواردات التركية بينما ينذر التوتر بإجراءات جديدة على خلفية احتجاز قس أميركي، لجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الأصدقاء الروس والإيرانيين.

ودعمت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف استخدام العملة المحلية بدلا من الدولار في تجارتها مع تركيا، بينما قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إن إيران ستقف إلى جانب تركيا.

ويقول عبد القادر إن أنقرة كانت من أكبر المستفيدين من رفع العقوبات الأميركية على إيران بموجب الاتفاق النووي. "لذلك، فإن انسحاب واشنطن منه وإعادة العقوبات يجعل من تركيا أكبر الخاسرين".

وقدر عبد القادر حجم الاستفادة التركية من المشروعات الاقتصادية التي كان مخططا لها في إيران، وتوقفت، بنحو 120 مليار دولار، وهو ما حرم الاقتصاد التركي المتعثر من رئة كبيرة لإنعاشه.

ويتوقع عبد القادر أن تلجأ تركيا "مرغمة" إلى انتهاك العقوبات الأميركية على إيران والعودة مرة أخرى إلى تجارة النفط مقابل الذهب، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها.

ومن ناحية اخرى، أطلقت موسكو وأنقرة مشروعا لبناء مفاعلات نووية في تركيا في استثمار تبلغ كلفته 20 مليار دولار، بينما اكتملت معالم مشروع "خط السيل التركي" الذي ينقل الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي والمقرر أن يدخل الخدمة في عام 2019.

أزمة الصواريخ

وتشكل أزمة صواريخ "أس 400" أكبر إشارة إلى التحالف التركي الروسي، الذي يجعل من إتمام تسلم تركيا للصواريخ الروسية بداية لتغيير العقيدة العسكرية المرتكزة على التسلح الغربي ضمن حلف شمال الأطلسي.

و"من شأن ذلك أن يضع لروسيا عبر مستشاريها وخبرائها موطئ قدم كبير داخل المؤسسة العسكرية التركية"، بحسب عبد القادر.

ويعمق ذلك من الأزمة مع الولايات المتحدة المهيمنة على التوجه العسكري للأتراك، وهو ما يزعزع من ثقة حلف الناتو في تركيا التي تشكل أكبر قوة برية في الحلف.

تحالف المأزومين

وبالرغم من التحالف المبني على قرار سياسي من العواصم الثلاث، فإن أنقرة وطهران وموسكو يواجهون مشكلات تجعل منه تحالفا للمأزومين.

فالنظام الإيراني يواجه عقوبات تجفف مخزوناته من الدولار، بينما ينتظر حزمة جديدة في نوفمبر ستجفف صادراته النفطية، وهو في وضع داخلي يشبه إلى حد كبير ما قبل اندلاع الثورة عام 1979، حيث تنتشر الاحتجاجات في كل مكان نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وانفلات السياسة الخارجية.

ويواجه الروس، عقوبات أميركية وغربية بسبب الصراع في أوكرانيا، والاستيلاء الروسي على شبه جزيرة القرم، بينما وجهت العقوبات على إيران صفعة للاقتصاد الروسي الذي كان بدأ في التعافي من هبوط أسعار النفط والأزمة الأوكرانية.

أثر محدود

لذلك، فإن التوقعات بأن يساهم أكبر داعمين للنظام السوري في مساعدة تركيا على مواجهة أزمتها الداخلية والخارجية تبقى محدودة، بحسب المراقبين.

ويقول عبد القادر إن الاقتصاد التركي يواجه مشاكل هيكلية مع ارتفاع الدين الخارجي لتركيا إلى 438 مليار دولار، وهو ما يعني أن أي حلول سريعة تتعلق بدعم العملة التركية عبر التبادل التجاري بالعملات المحلية أو المقايضة، لن ينقذه من أزمة تحتاج لإصلاحات جذرية.

ومع الوضع في الاعتبار التمدد العسكري لكل من إيران وتركيا وروسيا في المنطقة، وما يستتبع ذلك من عبء اقتصادي هائل، فإن "أردوغان لن يجد في تحالفه الجديد الخلاص المنشود".