تتميز العلاقات التي تربط السعودية ومصر بمكانة عالية لما تتمتعان به من موقع على الخريطة السياسية والجغرافية جسد ثقلها على الأصعدة العربية والدولية.
كما تمتاز المواقف بين البلدين بتطابق الرؤى واتفاق بشأن القضايا الإقليمية باختلاف جوانبها، وبما تشكله من علاقات عميقة وقوية وتاريخية واستراتيجية، وفقا ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية "واس".
وفي السياق التاريخي، وفي 27 أكتوبر 1955، وقعت اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين، وقد رأس وفد المملكة في توقيعها بالقاهرة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فيصل بن عبد العزيز، وأثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقفت السعودية بكل ثقلها إلى جانب مصر في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتؤكد الزيارات المتبادلة بين القيادتين عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين، ففي 16 مارس 1987 قام الملك سلمان بن عبد العزيز، حينما كان أميرا لمنطقة الرياض، بزيارة إلى مصر لافتتاح معرض "المملكة بين الأمس واليوم" في القاهرة.
وعقب توليه مقاليد الحكم، توالت اللقاءات الرسمية بين القيادتين، حيث التقى الملك سلمان بن عبد العزيز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في جلسة مباحثات رسمية في 28 فبراير 2015، جرى خلالها استعراض أوجه التعاون الثنائي لما فيه مصلحة البلدين، والتأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية بينهما، والحرص على تعزيزها في مختلف المجالات.
وعبر الملك سلمان عن أهمية زيارته لمصر بكلمة جاء فيها: "إننا إذ نشيد بما نشهده اليوم من إبرام العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية التي ستعود بالخير -بحول الله- على بلدينا وشعبينا الشقيقين، نود أن نعبر عن تقديرنا لرئيسي وأعضاء الجانبين في مجلس التنسيق السعودي المصري لما بذلوه من جهود موفقة للارتقاء بمستوى العلاقات في مختلف المجالات، وفقا لما تم الاتفاق عليه في إعلان القاهرة، وخدمة لمصالح بلدينا وتطلعات شعبينا الشقيقين".
وقال الملك سلمان: "إننا فخورون بما حققناه من إنجازات على الأصعدة كافة التي جعلتنا نعيش اليوم واقعا عربيا وإسلاميا جديدا تشكل التحالفات أساسه، فلقد اتحدنا ضد محاولات التدخل في شؤوننا الداخلية، فرفضنا المساس بأمن اليمن واستقراره والانقلاب على الشرعية فيه، وأكدنا تضامننا من خلال تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب شمل 42 دولة هو الأقوى في تاريخ أمتنا الحديث، وبعثنا قبل أيام برسالة إلى العالم عبر رعد الشمال، نعلن فيها قوتنا في توحدنا، وقد كانت جمهورية مصر العربية كعادتها من أوائل الدول المشاركة بفاعلية في هذه التحالفات وهذا التضامن الذي دشن لعصر عربي جديد يكفل لأمتنا العربية هيبتها ومكانتها".
تعاون في مجالات عدة
وجرى خلال الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتعاون بين البلدين في عدد من المجالات، شملت اتفاقيات قروض مشروعات تنموية في مجالات الطاقة والتنمية والكهرباء وتجنب الازدواج الضريبي، والصحة، والنقل البحري والموانئ والزراعة والإسكان والتجارة والصناعة ومكافحة الفساد والتعاون التعليمي والثقافي، بالإضافة إلى تعيين الحدود البحرية بين البلدين.
كما شهد الملك سلمان والرئيس السيسي بتوقيع مجموعة من الاتفاقيات، شملت إنشاء صندوق سعودي مصري للاستثمار برأسمال (60) مليار ريال بين صندوق الاستثمارات والكيانات التابعة له والمتفقة معه والحكومة المصرية والكيانات التابعة لها والمتفقة معها، ومذكرة تفاهم صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية ووزارة التعاون الدولي في مصر لإنشاء منطقة اقتصادية حرة في شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى التوقيع على عدد من الاتفاقيات بين وزارة التعاون الدولي في مصر والصندوق السعودي للتنمية، وهذه الاتفاقيات ضمن برنامج الملك سلمان بن عبد العزيز لتنمية شبة جزيرة سيناء.
وقد التقى الملك سلمان بن عبد العزيز مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 29 مارس 2017، وذلك على هامش أعمال القمة المنعقدة في منطقة البحر الميت جنوب الأردن، وفي 23 أبريل 2017 عقد الزعيمان جلسة مباحثات رسمية.
وتؤكد زيارة الملك سلمان لمصر في يوليو 2015، حرصه منذ توليه مقاليد الحكم على استمرار تكامل العلاقات السعودية المصرية، وتأتي تتويجا لهذه العلاقة بين البلدين وزيادة في توافق التوجهات في مجمل القضايا العربية وتكاملها تحقيقا للآمال العربية والإسلامية بفضل هذا المستوى من التنسيق الدائم.
كما تجسدت مواقف المملكة تجاه مصر وشعبها، عبر تكريس سياستها الخارجية لحث الحكومات الغربية على الاعتراف بشرعية 30 يونيو وخارطة الطريق والاستحقاقات الثلاثة التي تمت بنجاح لتخرج مصر من الفترة الانتقالية إلى الاستقرار السياسي.
وتشهد العلاقات بين البلدين عددا من الزيارات العسكرية المتبادلة بين القادة والمسؤولين العسكريين في كلا البلدين وبشكل دوري لتبادل الآراء والخبرات والمعلومات العسكرية والأمنية والاستخباراتية التي تهم البلدين، وفق ما ذكرت وكالة "واس".
وأقيمت العديد من المناورات التدريبية المشتركة بين جيشي البلدين مثل مناورات "تبوك" للقوات البرية ومناورات "فيصل" للقوات الجوية ومناورات "مرجان" للقوات البحرية.
تبادلات اقتصاديات وفعاليات مشتركة
وشهد العام الجاري تبادلات اقتصادية وفعاليات مشتركة بين البلدين، حيث عقد مجلس الأعمال السعودي المصري بالقاهرة اجتماعا لبحث الفرص الاستثمارية المتاحة في مصر, وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017 حوالي 2.1 مليار دولار، فيما تخطى حجم الاستثمارات السعودية في مصر حاجز 6 مليارات، والاستثمارات المصرية في المملكة تخطت المليار دولار، وتمثل الاستثمارات السعودية نحو 11 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في مصر.
وهكذا تؤكد الحقب الزمنية المتتالية التي شهدت قفزات متسارعة في العلاقات بين البلدين، أن ما أسس تلك العلاقات كان هو الإيمان الراسخ من قيادتيهما بضرورة تفعيل أواصر الأخوة.
من جانبها، أكدت الصحف المصرية أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر تدشن مرحلة جديدة من التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين اللذين يتطلعان إلى إنقاذ الأوضاع السياسية بالمنطقة العربية.
وشددت على أهمية زيارة ولي العهد السعودي، لكونها محطة مهمة في مسيرة العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين البلدين الشقيقين، وأن العلاقات بين المملكة ومصر لا يختلف عليها اثنان، والجميع ينظر للبلدين بوصفهما القوتين الأكبر على الساحة العربية.
تعزيز العمل العربي المشترك
وأشارت الصحف إلى أن المباحثات التي يجريها الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتناول العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، إضافة إلى عدد من القضايا الإقليمية والدولية المشتركة وفي مقدمتها تنسيق الجهود وتعزيز العمل العربي المشترك.
وفي السياق نفسه، أوضحت صحيفة "الرياض" أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة "تأتي في إطار التوافق العربي الذي يجب أن يكون، فالمملكة بدورها الريادي القيادي تأخذ على عاتقها هذه المسؤولية الجسيمة، وتتعامل معها بكل اقتدار، خاصة وأننا على مشارف انعقاد القمة العربية التاسعة والعشرين، القمة التي يناقش فيها القادة العرب عددا من الملفات المهمة في ظل الوضع العربي الحالي وما تشهده المنطقة من تحولات لا بد من التعامل معها وفق ظروف ومعطيات المرحلة".
وأكدت أن "العلاقات السعودية-المصرية تاريخية ومهمة، ليس للبلدين وحسب، إنما تنعكس على مجمل العلاقات العربية، لكون البلدان يمثلان حجر الزاوية في حفظ الأمن القومي العربي الذي أصبح مهددا بفعل محاولات التدخل الإيرانية الدائمة على وجه الخصوص لاختراقه وتقويضه".