تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها بوصفها أحد أبرز المراكز المالية العالمية لصناديق التحوط وإدارة الأصول، مستفيدة من منظومة متكاملة تجمع بين رؤوس الأموال الضخمة والبيئة التنظيمية المتطورة والبنية التحتية المالية الحديثة، ما يجعلها وجهة مفضلة لكبرى المؤسسات الاستثمارية الدولية، بحسب ما ذكرت وكالة بلومبرغ نيوز العالمية.
ويستند هذا التفوق الإماراتي إلى قاعدة رأسمالية هائلة تتجاوز 3 تريليونات دولار، تشمل أصول صناديق الثروة السيادية في أبوظبي ورؤوس الأموال الخاصة في دبي، وهو ما عزز مكانة الدولة كمركز رئيسي لتدفقات الاستثمار العالمي.
قاعدة رأسمالية ضخمة
وذكرت وكالة بلومبرغ نيوز أن أبوظبي تمتلك واحدة من أكبر منظومات الثروة السيادية في العالم، مع أصول تقدر بنحو 1.8 تريليون دولار، في حين تدير المكاتب العائلية ورؤوس الأموال الخاصة في دبي أكثر من تريليون دولار من الأصول.
وتوفر هذه الكتلة الاستثمارية الضخمة ميزة استراتيجية للمؤسسات المالية العالمية التي تبحث عن القرب من كبار المستثمرين المؤسسيين وصناع القرار الاستثماري في المنطقة.
لماذا تبدو الإمارات مختلفة؟
بحسب وكالة بلومبرغ، فإن الإمارات ما زالت تتمتع بمزايا يصعب تكرارها أو تقليدها، وفي مقدمتها:
- ضرائب منخفضة وجاذبة للمستثمرين.
- بيئة تنظيمية متطورة ومخصصة للقطاع المالي.
- صناديق ثروة سيادية ضخمة في أبوظبي.
- أكثر من تريليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة في دبي.
- شبكة واسعة من المستثمرين المؤسسيين والعائلات الثرية.
وجهة مفضلة لكبرى صناديق التحوط
شهدت الإمارات خلال السنوات الأخيرة تدفقاً متزايداً لكبرى شركات إدارة الأصول وصناديق التحوط العالمية، التي عززت وجودها في كل من أبوظبي ودبي، مستفيدة من البيئة التشغيلية المرنة والأنظمة التنظيمية الداعمة للقطاع المالي.
كما واصلت مؤسسات مالية دولية بارزة توسيع عملياتها داخل الدولة، فيما اختارت شركات استثمار عالمية افتتاح مكاتب جديدة في الإمارات أو تعزيز حضورها القائم، ما يعكس الثقة المستمرة في جاذبية السوق الإماراتية على المدى الطويل.
دبي مركز متنامٍ لصناعة التحوط
أصبح مركز دبي المالي العالمي خلال السنوات الماضية أحد أهم مراكز صناديق التحوط خارج الأسواق التقليدية.
ويضم المركز حالياً أكثر من 100 صندوق تحوط مسجل، فيما يدير أكثر من 80 صندوقاً أصولاً تتجاوز قيمتها مليار دولار لكل منها، الأمر الذي يعكس تطور المنظومة المالية التي نجحت دبي في بنائها لاستقطاب المؤسسات الاستثمارية الدولية.
ويعزز هذا النمو توفر الكفاءات المتخصصة والخدمات القانونية والمحاسبية والمالية المتقدمة، إلى جانب البنية التحتية الرقمية والاتصالية المتطورة.
أبوظبي تعزز دورها كمحور للاستثمار المؤسسي
بالتوازي مع نمو دبي، تواصل أبوظبي تعزيز مكانتها كمركز عالمي لإدارة الاستثمارات المؤسسية والاستراتيجيات الاستثمارية المتقدمة.
وشهد سوق أبوظبي العالمي ADGM خلال الأعوام الأخيرة توسعاً لافتاً في عدد الشركات المالية المرخصة، مع نمو حضور شركات إدارة الأصول العالمية التي تتخذ من الإمارة قاعدة لإدارة استثماراتها.
كما توسع التعاون بين الصناديق السيادية الإماراتية وكبرى شركات إدارة الأصول وصناديق التحوط الدولية، ما يعزز تدفقات رأس المال ويعمق الروابط بين الأسواق المالية العالمية والإمارات.
كما رسخت أبوظبي مكانتها كمركز عالمي، مع توسع شركات عالمية مثل "بريفان هاورد"، التي جعلت الإمارة أحد أكبر مراكزها لإدارة المخاطر والاستثمارات.
وفي مؤشر إضافي على جاذبية السوق الإماراتية، حصل صندوق التحوط الأميركي العملاق "سيتادل" على الموافقات اللازمة لبدء نشاطه في دبي خلال العام الجاري.
كما عززت شركات استثمارية مثل "لونيت" مكانة الإمارات في القطاع عبر ضخ مليارات الدولارات في منصات استثمار عالمية متخصصة.
مرونة في مواجهة التحديات
وعلى الرغم من المتغيرات الجيوسياسية والتقلبات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، حافظت الإمارات على استمرارية أعمالها الاقتصادية والمالية، مع استمرار عمل الأسواق والمراكز المالية والبنية التحتية الحيوية بكفاءة، وما زالت مؤشرات عديدة تعكس استمرار النشاط الاقتصادي في الإمارات.
وتتوقع المؤسسات الاقتصادية أن يتباطأ نمو الاقتصاد الإماراتي خلال العام الجاري، قبل أن يعود إلى مسار أكثر قوة خلال السنوات المقبلة مع استمرار الاستثمارات وتوسع القطاعات غير النفطية.
وساهمت هذه المرونة في تعزيز ثقة المستثمرين العالميين، فيما واصلت الجهات التنظيمية دعم القطاع المالي عبر إجراءات تشغيلية وتنظيمية مرنة تضمن استقرار الأعمال واستمرارية النشاط.
فشركة "ميلينيوم" لا تزال توظف أكثر من 100 شخص في دبي، بينما تخطط "فيريشن" لتمديد عقد مقرها في الإمارة لخمس سنوات إضافية مع التوسع في منطقة الشرق الأوسط. كما تواصل "روكوس" خطط افتتاح مكتب جديد في أبوظبي.
مؤشرات اقتصادية داعمة
ويستند الأداء القوي للقطاع المالي إلى زخم أوسع في الاقتصاد الإماراتي، مدعوماً بالنمو في القطاعات غير النفطية واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
كما تواصل الدولة جذب الشركات العالمية ورواد الأعمال وأصحاب الثروات، مدفوعة بجودة الحياة والبنية التحتية المتقدمة وسهولة ممارسة الأعمال، ما يعزز الطلب على الخدمات المالية والاستثمارية.
مركز مالي عالمي للمستقبل
يرى مراقبون أن الإمارات نجحت في بناء منظومة مالية متكاملة تتجاوز مفهوم الملاذ الضريبي أو المركز الإقليمي، لتتحول إلى منصة عالمية تجمع بين رأس المال والمؤسسات الاستثمارية والكفاءات المتخصصة.
ومع استمرار توسع المراكز المالية في أبوظبي ودبي، وتعاظم دور الصناديق السيادية والاستثمارات الخاصة، تبدو الدولة في موقع قوي لمواصلة ترسيخ مكانتها كأحد أهم مراكز إدارة الثروات وصناديق التحوط والاستثمار المؤسسي على مستوى العالم خلال السنوات المقبلة.