تتجه الأنظار الاقتصادية والسياسية في أوروبا والخليج نحو برلين، حيث تحل دولة الإمارات العربية المتحدة ضيفاً استراتيجياً على ألمانيا، في زيارة دولة يقودها رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تؤكد مكانة أبوظبي بوصفها الشريك التجاري الأهم لألمانيا في المنطقة العربية، والشريك الاستراتيجي أيضاً.
فبالأرقام، تبلغ قيمة التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين 16 مليار دولار، فيما تصل الاستثمارات الإماراتية في قطاعي الطاقة والصناعة الألمانيين إلى 21 مليار دولار، كان أبرزها صفقة استحواذ شركة إكس آر جي الإماراتية على عملاق الكيماويات الألماني كوفاسترو، مع خطط لرفع سقف هذه الاستثمارات إلى 35 مليار دولار خلال العقد المقبل.
ولا تتوقف القصة عند حدود الاستثمار، إذ تتحول الإمارات إلى بوابة تعبر منها نحو 2000 شركة ألمانية إلى أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا، ضمن علاقات تمتد إلى 54 عاماً، تتوّجها اليوم زيارة تتصدر أجندتها ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي وسلامة الملاحة الدولية والتعاون الاقتصادي، وسط ترحيب ألماني واسع يعكس نهج أبوظبي في توسيع شبكة شراكاتها شرقاً وغرباً.
وفي قراءته لأبعاد هذه الزيارة ودلالاتها، قدّم حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان الإماراتية، خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، تحليلاً معمقاً لموقع الإمارات في المعادلة الألمانية الأوروبية، رصد من خلاله جملة وظائف تؤديها أبوظبي في هذه الشراكة، تتجاوز البعد التجاري التقليدي.
أول زيارة دولة منذ قيام الاتحاد
قال بن كرم إن الزيارة تمثل أول زيارة دولة رسمية تقوم بها الإمارات إلى ألمانيا منذ قيام الاتحاد عام 1971، معتبرا أن دلالتها تتجاوز البعد البروتوكولي إلى التحول الذي طرأ على طبيعة العلاقات العربية الأوروبية.
وأوضح أن علاقات الدول العربية بالقوى الأوروبية الكبرى كانت تُقرأ سابقا من زاوية الحاجة إلى المعرفة والدعم والانفتاح التكنولوجي والعسكري، بينما تدخل الإمارات اليوم إلى هذه الشراكة وفي جعبتها ملفات اقتصادية وتكنولوجية واستثمارية مهمة.
وأشار إلى أن ألمانيا تمثل أحد أكبر اقتصادات أوروبا وركيزة أساسية في محيطها القاري، بما تمتلكه من قوى عاملة متخصصة وقدرات في التطوير التكنولوجي وتصدير التقنية ومراكز الأبحاث. وبحسب بن كرم، يمنح الانتقال من الاحتياج الأحادي إلى الشراكة المتكافئة الزيارة بعدها الاستراتيجي الأعمق.
شراكة تتجاوز أرقام التجارة
يرى بن كرم أن أهمية الزيارة لا تقتصر على حجم التبادل التجاري أو عدد الشركات والرحلات والسياح بين البلدين، بل تشمل منهجية الإمارات في بناء شراكاتها الاقتصادية والاستفادة من التراكم التاريخي لعلاقاتها الدولية.
وتوقع أن تحمل الزيارة نتائج ذات "عمق كبير"، مرجحا أن يكون من بين مستجداتها إنشاء مجلس تنسيقي تجاري رفيع المستوى بين البلدين، بما يوفر إطارا مؤسسيا لمتابعة المشروعات والفرص الاستثمارية المشتركة.
شريك في صناعة التكنولوجيا
وبحسب بن كرم، لم تعد الإمارات مجرد مستثمر في قطاع الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت شريكا في صناعة التكنولوجيا وتطبيقاتها الاقتصادية والحكومية.
واستشهد بتصريحات نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة الخدمات الحكومية، معتبرا أن هذا المسار يمكن أن يشكل مجالا مهما للتعاون مع ألمانيا.
وأضاف أن الشراكات الإماراتية القائمة مع الولايات المتحدة وفرنسا تقدم نموذجا للقيمة التي تستطيع ألمانيا تحقيقها من التعاون مع أبوظبي، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق والتقنيات المتقدمة.
وتمتد فرص التعاون، وفق بن كرم، إلى قطاع الطاقة المتجددة، في ظل احتياج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى كميات كبيرة من الطاقة. وأشار إلى الدور الإماراتي في هذا المجال منذ استضافة مؤتمر المناخ "كوب 28" في دبي، وإلى حضور شركة "مصدر" بوصفها لاعبا رئيسيا في مشروعات الطاقة النظيفة، بما يخدم توجهات أوروبا نحو الاقتصاد الأخضر وخفض الانبعاثات الكربونية.
جبل علي بوابة لوجستية
وفي حديثه عن موقع الإمارات وسط التحديات المرتبطة بمضيق هرمز، قال بن كرم إن ميناء جبل علي بات جزءا من شبكة لوجستية ترتبط بموانئ الفجيرة وخورفكان، بما يعزز قدرة الإمارات على التعامل مع حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
وأوضح أن أهمية جبل علي لم تعد تقتصر على كونه ميناء للشحن، إذ أصبح مركزا لوجستيا محوريا يخدم الخليج والشرق الأوسط ويربطهما بالأسواق الدولية.
واعتبر أن هذه البنية تمنح الإمارات موقعا مهما في حسابات الشركات الألمانية، سواء بالنسبة إلى الصادرات المتجهة إلى أسواق الخليج أو إلى حركة التجارة عبر المنطقة، مرجحا حضور الملف اللوجستي ضمن مباحثات الزيارة.
الثقة في أوقات الأزمات
واعتبر بن كرم أن رصيد الثقة الذي بنته الإمارات مع الدول التي تجمعها بها شراكات اقتصادية وسياسية وعسكرية يمثل أحد أبرز أصول سياستها الخارجية.
وأوضح أن قيمة هذه الثقة تظهر بصورة أكبر في أوقات الأزمات، مشيرا إلى أن أوروبا تواجه تحديات سياسية واقتصادية أثرت في إمدادات الطاقة وجوانب اجتماعية واقتصادية عدة.
وأضاف أن الإمارات نجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وروسيا، وهو ما منحها قدرة على التواصل مع أطراف دولية متعددة.
وبحسب بن كرم، تقوم هذه السياسة على عدم تقديم الأولويات الإماراتية بطريقة تؤدي إلى خسارة ثقة الشركاء، وهو ما تراهن عليه ألمانيا في تطوير علاقتها مع أبوظبي.
قرار استراتيجي مستقل
وربط بن كرم هذا الرصيد بمبدأ "القرار الاستراتيجي المستقل" في السياسة الخارجية الإماراتية، موضحا أن الدولة تتحرك دوليا وفق منهجية تقوم على المصالح الاقتصادية ومصالح الشعوب والبحث عن نقاط الاتفاق وتفهم مواضع الاختلاف.
وأضاف أن وضوح هذا النهج وثباته يعززان ثقة الشركاء في القرارات الإماراتية، ويساعدان الدولة على بناء اقتصاد متوازن وتنموي ومستدام.
وخلص إلى أن الوقوف على مسافة متوازنة من القوى الدولية يخدم مصالح الإمارات ويمنح سياستها الخارجية وضوحا أمام شركائها، وفي مقدمتهم ألمانيا، التي تسعى الزيارة إلى نقل علاقاتها مع أبوظبي إلى مرحلة أكثر شمولا وتأثيرا.