في وقت تشهد فيه أسواق السندات الحكومية العالمية اضطرابات حادة وارتفاعاً في العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، تبدو أسواق سندات الشركات أكثر هدوءاً واستقراراً. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تظهر مؤشرات إلى اختلالات تقدر بنحو تريليون دولار من الديون قد تنذر بمخاطر كامنة في سوق الائتمان العالمي.

وبحسب تحليل أجرته بلومبرغ نيوز، فإن نحو تريليون دولار من سندات الشركات يجري تداولها بفوارق عائد (Credit Spreads) أوسع من المعتاد مقارنة بتصنيفاتها الائتمانية.

ويتضمن هذا الرقم ما يقرب من:

وتركز الدراسة على سندات الشركات غير المالية ذات التصنيف الاستثماري والآجال التي تتجاوز ثلاث سنوات.

هدوء ظاهري في السوق

تأتي هذه الظاهرة في وقت لم تشهد فيه سوق السندات الاستثمارية تحركات كبيرة على مستوى المؤشرات العامة.

ففوارق العائد في سوق السندات عالية الجودة ظلت مستقرة ضمن نطاقات ضيقة منذ أشهر، فيما تراجعت مستويات التقلب إلى أدنى مستوياتها تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية.

لكن هذا الاستقرار العام يخفي تفاوتات متزايدة بين الشركات والقطاعات المختلفة.

ويقول ماثيو جاكسون، مدير محافظ السندات الاستثمارية العالمية لدى "روبيكو" لوكالة بلومبرغ نيوز: "فوارق العائد العامة تبدو مملة وربما ستظل كذلك، لكن عند النظر إلى القطاعات والشركات الفردية تظهر فرص واستثناءات كثيرة."

أخبار ذات صلة

عوائد السندات العالمية عند أعلى مستوياتها في نحو عقدين
لماذا ترتفع عوائد السندات عالميا؟ وما تأثيرها عليك؟

لماذا تتسع الفجوة؟

يرى محللون أن هناك عدة عوامل تقف وراء هذا التباين غير المعتاد.

أبرزها النمو السريع لشركات التكنولوجيا العملاقة المعروفة باسم Hyperscalers، وهي الشركات التي تنفق عشرات المليارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

وقد زاد وزن هذه الشركات بشكل ملحوظ داخل مؤشرات السندات العالمية، ما دفع مديري الأصول إلى إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية للحفاظ على التوازن.

وباتت ست شركات كبرى من هذا النوع تمثل نحو 5 بالمئة من مؤشر السندات الاستثمارية الأميركي، أي ضعف حصتها قبل عامين فقط.

طفرة الذكاء الاصطناعي تغيّر قواعد اللعبة

مع احتدام السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، تلجأ شركات التكنولوجيا إلى الاقتراض بمعدلات غير مسبوقة لتمويل مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الحاسوبية.

ويقول نيك إلفنر، رئيس الأبحاث المشارك في شركة Breckinridge Capital Advisors، لوكالة بلومبرغ نيوز: "يجب أن يحصل المستثمرون على تعويض إضافي مقابل هذا الحجم الضخم من الديون الجديدة التي تُطرح في السوق."

وأضاف أن اتساع الفوارق يعكس مزيجاً من المخاطر الائتمانية المحتملة والضغط الناتج عن كثافة الإصدارات الجديدة.

ضغوط على عدة قطاعات

لا يقتصر الأمر على شركات الذكاء الاصطناعي. ففي قطاع السيارات، تواجه الشركات ضغوطاً بسبب المنافسة المتزايدة من المصنعين الصينيين.

أما شركات البرمجيات فتعاني من مخاوف مرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمالها التقليدية.

كما تعرضت شركات التأمين لعقوبات سعرية من المستثمرين بسبب انكشافها المتزايد على سوق الائتمان الخاص (Private Credit) الذي يُنظر إليه على أنه أكثر مخاطرة.

فرص أم تحذيرات؟

يرى بعض مديري الأصول أن هذه الاختلالات قد تمثل فرصة استثمارية جذابة.

فالسندات التي تتداول بعائدات أعلى من نظرائها رغم امتلاكها التصنيف الائتماني نفسه قد تحقق مكاسب قوية إذا انكمشت الفجوة السعرية لاحقاً.

لكن الرهان على هذا السيناريو يفترض أن السوق يبالغ في تقييم المخاطر.

أما إذا كانت تلك السندات تتداول عند مستويات متدنية لأنها مرشحة لخفض تصنيفها الائتماني مستقبلاً، فقد يواجه المستثمرون خسائر أكبر.

مؤشرات مقلقة

وتشير بيانات بلومبرغ إلى أن 25 شركة أميركية تحمل التصنيف A تتداول سنداتها عند مستويات عائد تفوق منحنى سندات الشركات ذات التصنيف الأدنى BBB.

كما ارتفع خلال الصيف عدد السندات الاستثمارية التي يتم تداولها بعوائد أعلى من بعض السندات المصنفة ضمن فئة السندات عالية المخاطر (Junk Bonds)، وهو أمر نادر نسبياً في الأسواق.

فرنسا عامل مراقبة رئيسي في أوروبا

في أوروبا، يحذر بعض الاستراتيجيين من مخاطر إضافية مرتبطة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل المقبل.

ويرى سورين فيلمان من بنك باركليز أن الأصول الفرنسية تستحق مراقبة دقيقة في ظل حالة عدم اليقين السياسي، ما قد يضيف ضغوطاً جديدة على أسواق الائتمان الأوروبية.

هل يقترب التصحيح؟

رغم هذه المؤشرات، لا يرى المحللون أن الأسواق تتجه نحو أزمة فورية.

لكن وجود نحو تريليون دولار من السندات المتداولة بعيداً عن مستوياتها المعتادة يشير إلى أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية في تقييم المخاطر، حتى مع بقاء المؤشرات العامة مستقرة.

ويقول جاكسون من "روبيكو": "دورة الائتمان لم تعد بسيطة كما كانت في السابق، ولم يعد هناك نمط واحد ينطبق على جميع القطاعات."

ويعكس ذلك واقعاً جديداً في الأسواق المالية، حيث تخفي المؤشرات الهادئة تباينات كبيرة بين الرابحين والخاسرين في عصر الذكاء الاصطناعي وارتفاع أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية.

أين تستثمر وماذا ينتظر الأسواق؟