في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتزايد فيه فرص الاستثمار والمخاطر المالية في الوقت نفسه، لم تعد الثقافة المالية والاستثمارية ترفاً يمكن تأجيله إلى مرحلة الاستقلال المالي، بل أصبح تعلّم أساسيات الادخار وإدارة المال وفهم الاستثمار، جزءاً من المهارات التي يجب اكتسابها منذ الطفولة.

وبينما يركز عدد كبير من الأهالي على تعليم أطفالهم كيفية التعامل مع المال، عبر الادخار أو تجنب الإنفاق غير الضروري، يرى عدد متزايد من الخبراء أن الوعي المالي في سن مبكرة، يجب أن يشمل أيضاً المفاهيم الأساسية للاستثمار وبناء الثروة على المدى الطويل.

وبحسب تقرير أعده موقع "بزنس إنسايدر" واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، يقول سيث وندر، المدير المالي لشركة Acorns وهي منصة للتمويل الشخصي، إن سن الثامنة قد يكون السن الأنسب لتعليم الأطفال أساسيات الاستثمار وبناء العادات المالية السليمة.

أخبار ذات صلة

توقعات "ليمند".. هل يطرق الذهب باب 10 آلاف دولار؟
تعرف على عادتين بسيطتين تحسنان صحتك النفسية

ويستند وندر في رأيه إلى تجربته الشخصية، حيث تعرّف على تداول الأسهم لأول مرة كعضو في نادي الاستثمار المدرسي في الصف السادس، وهو ما دفعه لاحقاً إلى تطبيق هذا المبدأ على أبنائه.

ويعتبر وندر أن البدء بتعليم الأطفال أساسيات المال والاستثمار في سن مبكرة أمر بالغ الأهمية، موضحاً أن العادات المالية والاستثمارية التي يكتسبها الطفل في سنواته الأولى، يمكن أن ترافقه على المدى الطويل، تماماً كما تتشكل العادات الصحية والبدنية من خلال ممارسة الرياضة والاهتمام بالجسم.

وفي وقت تتزايد فيه شعبية ألعاب التداول في الأسواق، وتغصّ وسائل التواصل الاجتماعي بنصائح مالية مشكوك في صحتها، شارك وندر أهم ثلاث دروس استثمارية يجب على الآباء تعليمها لأبنائهم في سن مبكرة، وهي على الشكل الآتي:

الاستثمار باستمرار

الاستثمار المنتظم لا يعني انتظار امتلاك مبلغ كبير، أو البحث عن فرصة مثالية للبدء، بل تخصيص مبلغ صغير بصورة دورية، والاستمرار في استثماره مع مرور الوقت، فحتى المبالغ البسيطة يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لعملية استثمارية مستدامة.

وبالنسبة للأطفال، يمكن تبسيط هذه الفكرة بتعليمهم أن الاستثمار ليس وسيلة لتحقيق أرباح سريعة، وإنما عادة مالية طويلة الأجل. فبدلاً من انتظار امتلاك مبلغ كبير، يمكن البدء بمبلغ صغير يتناسب مع الإمكانات المتاحة، ثم زيادته تدريجياً مع الوقت، علماً أن البدء في الاستثمار في سن مبكرة يمنح المال فترة أطول لتولّيد عوائد إضافية بمرور السنوات.

ويتمثل جوهر هذه النصيحة في أن الاستثمار لا يحتاج إلى بداية كبيرة بقدر ما يحتاج إلى بداية منتظمة واستمرارية طويلة الأجل، فكلما بدأ الشخص مبكراً وأعطى أمواله وقتاً أطول للنمو، كلما زادت فرصة الاستفادة من قوة التراكم.

أخبار ذات صلة

هل النقد خيار مناسب للمستثمرين في بيئات السوق المتقلبة؟
كيف تحمي أموالك وتستثمر بذكاء.. الذهب أم العقار؟

فهم قوة العوائد المركبة

فهم قوة العوائد المركبة هي من أهم المفاهيم التي يمكن تعليمها للأطفال عند الحديث عن الاستثمار، وهي ببساطة تعني أن الأموال لا تنمو فقط من خلال المبالغ التي تم استثمارها، بل أيضاً من خلال إعادة استثمار العوائد الناتجة عنها، لتبدأ عملية تراكمية تزداد قوتها مع مرور الوقت.

فمثلاً، إذا استثمرت 1000 دولار وحققت منها 100 دولار كأرباح، فلا تسحب الـ100 دولار وتنفقها، بل اتركها مع المبلغ الأصلي واستثمرها من جديد. ومع تكرار هذه العملية، تبدأ الأرباح نفسها في تحقيق أرباح إضافية، وهنا تظهر قوة العوائد المركبة.

والأهم أن هذه الفكرة تعلّم الطفل الصبر والانضباط، وعدم التركيز على النتائج السريعة، لأن قوة العوائد المركبة، تظهر بصورة أكبر كلما مُنحت الأموال وقتاً أطول للنمو.

NeoVision: ننصح المستثمرين بشراء الذهب شهريا كوسيلة ادخار

فهم تقلبات الأسواق

من المهم أن يتعلم الطفل منذ البداية أن الأسواق لا ترتفع باستمرار، وأن فترات التراجع والانخفاض جزء طبيعي من مسارها على المدى الطويل، فكل دورة اقتصادية تشهد مراحل صعود وهبوط.

ولذلك يجب تعليم الأطفال أن انخفاضات الأسعار ورغم أنها قد تبدو مخيفة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الوقت قد حان للبيع أو أن الاستثمار قد فشل.

وتكمن أهمية هذه الفكرة في تعليم الطفل عدم اتخاذ قرارات استثمارية تحت تأثير الخوف أو الذعر، وبدلاً من محاولة بيع الاستثمارات فور تراجع أسعارها، يمكن تعليم الطفل أن ما يحدث يمكن اعتباره فرصة لشراء استثمارات بأسعار أقل.

بناء الوعي

ويقول الخبير في الإدارة المالية حسان حاطوم، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن تعليم الأطفال أساسيات الاستثمار في سن مبكرة يجب ألا يُفهم على أنه دعوة لدفعهم إلى دخول الأسواق أو المخاطرة بأموالهم، بل باعتباره جزءاً من بناء ثقافة مالية تساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر وعياً عندما يكبرون، فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر الفرق بين الادخار والإنفاق والاستثمار، يكون أكثر قدرة على فهم قيمة المال، وعلى إدراك أن بناء الثروة لا يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما يحتاج إلى وقت وانضباط وصبر.

أخبار ذات صلة

رهان الصين على الأطفال.. هل ينجح في إنعاش الاقتصاد؟
كيف تعظم مدخراتك في ظل بيئة أسعار الفائدة المضطربة؟

تنمية المال

ويرى حاطوم أن كثيراً من الأهالي اعتادوا تشجيع أطفالهم على ادخار مصروفهم والاحتفاظ بجزء من الأموال التي يحصلون عليها، وهي ممارسة مهمة ولكنها تركز في الأساس على الاحتفاظ بالمال بدلاً من تنميته، في حين أن التثقيف الاستثماري المبكر يعلمهم كيف يمكن للمال أن ينمو مع مرور الوقت، من خلال الاستثمار المنتظم، وكيف يمكن للمبالغ الصغيرة أن تتراكم تدريجياً، وتتحول إلى قيمة أكبر على المدى الطويل، مشيراً إلى أن تعريف الطفل بمفاهيم مثل الاستثمار المنتظم والعوائد المركبة وتقلبات الأسواق، يسهم في ترسيخ الانضباط المالي، وتعليمه أهمية الصبر والنظر إلى الاستثمار بمنظور طويل الأجل.

استثمار لا مضاربة

ويعتبر حاطوم أن التثقيف الاستثماري في سن مبكرة، لا يهدف إلى تحويل الطفل إلى مضارب في الأسواق، بقدر ما يسعى إلى غرس عقلية مالية تقوم على بناء الثروة تدريجياً، بدلاً من الانجراف وراء الاستهلاك السريع الذي تروّج له وسائل التواصل الاجتماعي، مشدداً على أن الأطفال الذين يتعلمون منذ الصغر أساسيات الاستثمار ويدركون طبيعة مخاطره، يدخلون مرحلة الشباب وهم يمتلكون قاعدة مالية تساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر وعياً ومسؤولية، بدلاً من اكتساب هذه الخبرات لاحقاً من خلال أخطاء قد تكون أكثر كلفة عليهم.

الأثر المستدام

من جهته يقول المستشار في إدارة الثروات جو الخوري، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الثقافة المالية التي يحصل عليها الطفل في سنواته الأولى، قد تكون أكثر تأثيراً من حجم الأموال التي يمتلكها، لأن العادات التي تتشكل في هذه المرحلة يمكن أن تستمر معه عندما يصبح مستقلاً مالياً، ومن هنا فإن تعليم الطفل الاستثمار لا ينبغي أن يرتبط بامتلاكه مبلغاً كبيراً، وإنما بتعريفه على كيفية استخدام المال بطريقة تحقق له أهدافاً مستقبلية.

إدارة المخاطر بلا انفعال

ويشدد الخوري على أن أحد أهم الدروس الاستثمارية التي يجب أن يتعلمها الطفل، هي أن الأسواق لا تسير في اتجاه واحد، فقد ترتفع قيمة الاستثمارات لفترة ثم تتراجع، وهذا لا يعني بالضرورة أن الاستثمار فشل، ولذلك، من الضروري أن يتعلم الطفل عدم اتخاذ قرارات مالية تحت تأثير الخوف أو الحماس، مشيراً إلى أن هذه النصيحة تكتسب أهمية مضاعفة في الوقت الحالي، مع انتشار ألعاب التداول والمحتوى المالي السريع على المنصات الرقمية، والتي تخلق انطباعاً لدى الجيل الشاب بأن الربح السريع مضمون من دون أي مخاطرة.

صناعة الشاب الواعي

ويعتبر الخوري أن الهدف الحقيقي من الثقافة المالية التي يحصل عليها الطفل في سنواته الأولى، ليس صناعة "مستثمر صغير"، بل صناعة شخص بالغ أكثر وعياً بإدارة المال، يعرف كيف يفكر قبل أن يقرر، وكيف يوازن بين ما يريده اليوم وما قد يحتاج إليه غداً.