وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأميركيين بعصر ذهبي، لكن حصيلة الأشهر الـ19 الأولى من ولايته، وفق رؤية نقدية متزايدة في الأوساط الاستراتيجية، تشير إلى دخول الولايات المتحدة مرحلة تتسم بمخاطر جيوسياسية متصاعدة. فالقوة العسكرية الأميركية تواجه ضغوطاً متزايدة، والتحالفات التقليدية والتاريخية تمر بحالة من التوتر، فيما تبدو القوى المنافسة وخاصة الصين أكثر جرأة في اختبار حدود النفوذ الأميركي.
يرى مراقبون أن مزيجاً من الأخطاء السياسية للإدارة الحالية، إلى جانب التحديات التي غالباً ما تواجه القوى المهيمنة مع تقدمها في العمر الاستراتيجي، دفع الولايات المتحدة إلى ما يمكن وصفه بـ"منطقة الخطر"، وهي مرحلة قد يصعب الخروج منها سريعاً، بحسب هال براندز، كاتب في "بلومبيرغ أوبينيون" وأستاذ كرسي هنري كيسنجر المتميز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.
أزمة قدرات عسكرية
أولى هذه المخاطر تتمثل في ما يصفه خبراء بـ"أزمة القدرات". فعلى مدى سنوات، اتسعت الفجوة بين الالتزامات العالمية للولايات المتحدة وإمكاناتها العسكرية المتاحة، بينما لم ترتفع موازنات الدفاع بالوتيرة الكافية لمواكبة التهديدات المتزايدة من روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وعلى رأسها الصين.
وبحسب هذا التقييم، فإن إدارة ترامب ورثت وضعاً استراتيجياً صعباً، لكنها ساهمت في تفاقمه. إذ يواجه البنتاغون نقصاً في منظومات اعتراض الصواريخ اللازمة للحد من الخسائر في حال تجدد المواجهة مع إيران، كما يعاني نقصاً في بعض الأسلحة الحيوية المطلوبة لخوض نزاعات واسعة النطاق مع روسيا أو الصين.
ويحذر خبراء من أن اندلاع مواجهة عسكرية كبرى في منطقة المحيط الهادئ حالياً قد يضع القوات الأميركية، المثقلة بالالتزامات والمحدودة الموارد، أمام خطر حقيقي يتمثل في عدم تحقيق أهدافها العسكرية.
أزمة مصداقية مع الحلفاء
العامل الثاني يتعلق بتراجع المصداقية الأميركية لدى الحلفاء نتيجة الارتباك الذي طبع إدارة العلاقات الخارجية خلال الفترة الماضية.
فدول الخليج، على سبيل المثال، وجدت نفسها أمام تحولات متكررة في سياسة واشنطن تجاه إيران، بينما أثارت بعض مواقف ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين مخاوف بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الأمنية التقليدية.
وكان من المفترض أن يكون التحول الاستراتيجي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ أبرز ملامح سياسة الإدارة الحالية، إلا أن منتقدين يرون أن هذه المقاربة اتسمت بالتناقض. فقد طالبت واشنطن اليابان بتوضيح موقفها من أي أزمة محتملة بشأن تايوان، قبل أن تبدي انزعاجاً عندما قامت طوكيو بذلك بالفعل.
كما تعرضت الإدارة لانتقادات بسبب تأخير بعض صفقات التسليح الخاصة بتايوان، إضافة إلى تقليص نطاق المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، في خطوات أثارت تساؤلات لدى شركاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا.
انتخابات مصيرية ومخاوف داخلية
وتتداخل هذه التحديات الخارجية مع عامل ثالث يتمثل في المخاطر المرتبطة بالاستقرار السياسي الداخلي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المهمة في عامي 2026 و2028.
ويخشى بعض المحللين من أن تؤدي الانقسامات السياسية الحادة إلى استنزاف اهتمام واشنطن بقضايا الأمن القومي، ما قد يترك الولايات المتحدة منشغلة بأزماتها الداخلية في وقت تتزايد فيه التحديات الخارجية.
فرصة للمنافسين
ويعتقد مراقبون أن هذه المرحلة تمنح القوى المنافسة للولايات المتحدة هامشاً أوسع للتحرك.
فروسيا تواصل تكثيف ما يُعرف بالهجمات الهجينة ضد دول أوروبية، بينما تزيد الصين من ضغوطها العسكرية والاقتصادية في محيطها الإقليمي، لاسيما تجاه الفلبين واليابان وتايوان.
ورغم أن اندلاع حروب كبرى ليس أمراً محتوماً في المدى القريب، فإن حالة التردد الأميركي الحالية قد تشجع المنافسين على اختبار حدود الردع الأميركي والسعي لتحقيق مكاسب استراتيجية إضافية.
حلول محدودة ونتائج مؤجلة
يرى أصحاب هذا التوجه أن معالجة هذه التحديات لن تكون سهلة. فمن الضروري، بحسب تقديرهم، تعزيز العلاقات مع الحلفاء والتركيز على إعادة بناء القدرات العسكرية بدلاً من فتح جبهات جديدة تستنزف الموارد الأميركية المحدودة.
وفي المقابل، يشيرون إلى أن ترامب قدم بالفعل مقترحات لزيادة الإنفاق الدفاعي وإطلاق إجراءات عاجلة لإعادة بناء مخزونات الأسلحة الأميركية. إلا أن تنفيذ هذه الخطط، حتى في حال إقرارها، يحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجه على أرض الواقع.
"منطقة الخطر" العالمية
وكان عدد من الباحثين قد حذروا منذ عام 2022 من أن الولايات المتحدة قد تدخل خلال النصف الثاني من العقد الحالي مرحلة تزداد فيها احتمالات المواجهة مع الصين.
ويرى هال براندز، كاتب العمود في "بلومبيرغ أوبينيون" وأستاذ كرسي هنري كيسنجر المتميز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل "منطقة خطر" استراتيجية تتجاوز التنافس مع الصين لتشمل تحديات عالمية متزامنة.
وبحسب براندز، فإن "منطقة الخطر" التي جرى التحذير منها سابقاً لم تعد فرضية مستقبلية، بل أصبحت واقعاً تواجهه الولايات المتحدة في ظل تصاعد التهديدات الخارجية وتزايد الضغوط على قدراتها الاستراتيجية.
ويرى أن الولايات المتحدة قد تبقى عالقة في هذه المرحلة الحساسة طوال فترة رئاسة ترامب وربما لما بعدها، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى وارتفاع مستويات عدم اليقين الجيوسياسي.