يُعيد الذكاء الاصطناعي طرح سؤالٍ قديمٍ بصيغةٍ أكثر حدة: هل يمكن للتكنولوجيا أن تتفوق على العقل البشري في أكثر المهن حساسية وتعقيداً؟ فمع تسارع استخدام الخوارزميات في التشخيص وتحليل الصور الطبية وتقديم التوصيات العلاجية، أصبح الجدل واقعاً يفرض نفسه داخل غرف الفحص وقرارات العلاج.
يُظهر هذا التحول فرصاً غير مسبوقة لتعزيز كفاءة المنظومة الصحية، من تسريع اكتشاف الأمراض إلى تقليل الأخطاء البشرية وتحسين دقة القرارات الطبية. غير أن هذه القفزة التكنولوجية تفتح في المقابل باباً واسعاً للتساؤلات حول حدود الاعتماد على الآلة، ومخاطر التحيز في البيانات، وإشكاليات الخصوصية والمسؤولية القانونية.
يفرض هذا المشهد المركّب إعادة تعريف دور الطبيب، كشريك للآلة، يمتلك القدرة على توظيفها دون أن يفقد البعد الإنساني للمهنة.
وبين وعود الابتكار ومخاوف الاستبدال، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق توازن دقيق يضمن أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الطب، لا بديلاً عنه.
يشير تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية إلى أن "بعض الخبراء يرون أنه ينبغي على المستهلكين استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر لفهم حالتهم الصحية".
وينقل عن مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Insilico Medicine المتخصصة في اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، قوله:
- "يجب على الناس استخدام الذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر بكثير مما يفعلون اليوم."
- "العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة من قبل المستهلكين وصلت بالفعل إلى مستوى من الكفاءة يقترب من بعض الأطباء، بل ويتفوق عليهم أحيانًا."
- دعا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للإجابة عن الأسئلة الصحية الأساسية مثل: "ماذا يجب أن آكل؟ هل يجب أن أتبع حمية غذائية؟"
- "يمكن لطبيب يعتمد على الذكاء الاصطناعي أن يجيب عن هذه الأسئلة البسيطة، ما يوفر وقتك مع الطبيب الحقيقي."
يُستخدم الذكاء الاصطناعي بطرق متعددة في قطاع الرعاية الصحية الموجهة للمستهلكين.
في يناير، أطلقت شركة OpenAI خدمة "ChatGPT Health"، التي تتيح للمستخدمين ربط سجلاتهم الطبية وتطبيقات الصحة الخاصة بهم بشكل آمن مع روبوت الدردشة. وأكدت الشركة أن هذه التجربة الصحية الجديدة ليست مخصصة للتشخيص أو العلاج.
وفي الشهر نفسه، أطلقت شركة Amazon أداة "HealthAI" لمستخدمي شبكة الرعاية الأولية التابعة لها "One Medical"، وهي مصممة لتقديم نصائح تعتمد على السجلات الطبية ونتائج التحاليل والأدوية الحالية.
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة التكنولوجيا الحيوية Biocon، شريهاس تامبي، إنه:
متفائل بحذر بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.
ثمة "منحنى تعلم" للمستخدمين الجدد.. إن "وضع منصة تكنولوجية متقدمة في يد شخص لا يزال يتعلم كيفية استخدامها قد يؤدي إلى نتائج خاطئة.". "قد تواجه حينها تحديات تفوق الفوائد التي تقدمها هذه التكنولوجيا."
في مارس، وقّعت شركة الأدوية العملاقة Eli Lilly صفقة بقيمة 2.75 مليار دولار مع Insilico Medicine لتطوير وتسويق أدوية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
فرص وتحديات
من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان خوسيه الحكومية في كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التساؤل حول قدرة الذكاء الاصطناعي على التفوق على الأطباء لم يعد افتراضًا نظريًا، بل أصبح واقعًا يتبلور يوميًا داخل المستشفيات ومراكز الأبحاث.
- هذا “التفوق” ليس مطلقًا، وإنما يرتبط بطبيعة المهمة الطبية ذاتها.
- الذكاء الاصطناعي يحقق أداءً متقدمًا في عدد من المجالات، أبرزها تحليل الصور الطبية مثل الأشعة والرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، حيث يتميز بسرعة ودقة عالية، خصوصًا في الكشف المبكر عن الأورام.
- كما يمتلك قدرة هائلة على معالجة كميات ضخمة من البيانات الطبية والأبحاث خلال ثوانٍ، واكتشاف أنماط خفية قد لا تكون مرئية للطبيب البشري، إلى جانب تقديم تنبؤات مبكرة للأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، والمساهمة في تقليل الأخطاء الناتجة عن الإرهاق أو الضغط.
وفي المقابل، يشير إلى أن هذا التفوق تحكمه عدة حدود، إذ يعتمد الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي على جودة البيانات المُدخلة، ما يعني أن أي تحيز في البيانات سينعكس مباشرة على النتائج. كما أنه يعمل بكفاءة أعلى في المهام المحددة والواضحة، وليس في الحالات المعقدة أو المفتوحة، لافتًا إلى أنه لا “يفهم” الحالة الطبية بالمعنى الإنساني، بل يقوم بتحليلها إحصائيًا فقط.
ويؤكد بانافع أن هناك جوانب لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفوق فيها على الطبيب، من بينها الفهم الشامل لحالة المريض بما يشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية والتاريخ الطبي الكامل، إضافة إلى اتخاذ القرارات في الظروف الغامضة أو الطارئة التي تفتقر إلى بيانات كافية، فضلًا عن غياب التعاطف الإنساني والقدرة على بناء الثقة، وعدم تحمله للمسؤولية الأخلاقية والقانونية.
وفيما يتعلق بمستقبل مهنة الطب، يشدد على أن الأطباء لن يختفوا، لكن طبيعة دورهم ستشهد تحولًا جوهريًا، مع تزايد أهمية مهارات تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي، وظهور جيل جديد من الأطباء يجمع بين المعرفة الطبية وعلوم البيانات. وأضاف أن الطبيب الذي لا يوظف أدوات الذكاء الاصطناعي سيكون أقل كفاءة مقارنة بمن يعتمد عليها.
أما على مستوى المرضى والنظام الصحي، فيتوقع بانافع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات التشخيص وتحسين دقتها، وتعزيز الوصول إلى الخدمات الصحية، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص الكوادر الطبية، إلى جانب تقليل التكاليف على المدى الطويل، مع الإشارة إلى استمرار التحديات المرتبطة بالخصوصية وأمن البيانات.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعيد تعريف دوره، مشددًا على أن التفوق الحقيقي في المستقبل سيكون للطبيب المدعوم بهذه التقنيات، في إطار شراكة تكاملية تعيد تشكيل منظومة الرعاية الصحية بالكامل.
دور الأطباء
وبحسب تقرير لـ "نيوزوايز":
- يطرح مقال تحليلي نُشر في مجلة الجمعية الطبية الأميركية رؤية مغايرة للسردية المتصاعدة حول قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدال الأطباء، مؤكداً أن القضية أعمق من مجرد تفوق تقني، بل ترتبط بأزمات هيكلية داخل أنظمة الرعاية الصحية الحديثة.
- يرى الباحث كانيو مارتينيلي أن الحديث عن “نهاية الطبيب” مضلل، موضحاً أن السؤال الحقيقي يتمحور حول نوع الطب الذي نرغب في الحفاظ عليه وتعزيزه. فنتائج حديثة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الأطباء في “التعاطف” ضمن التقييمات النصية للمرضى، لكن هذه النتيجة لا تعكس تفوقاً إنسانياً للآلة، بل تكشف تراجع جودة العلاقة بين الطبيب والمريض.
- المقال، الذي أعده باحثون من Sbarro Health Research Organization يربط هذا التراجع بواقع الممارسة الطبية اليوم، حيث يُثقل الأطباء بأعباء إدارية متزايدة تبعدهم عن المرضى وتحدّ من قدرتهم على إظهار التعاطف الحقيقي. وبهذا المعنى، فإن تفوق الذكاء الاصطناعي في بعض الجوانب ليس إنجازاً بقدر ما هو مؤشر على خلل بنيوي في النظام الصحي.
- ويؤكد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يُنظر إليه كبديل للأطباء، بل كأداة لإعادة التوازن إلى المهنة، عبر تحرير الوقت للتركيز على التفكير السريري، والتواصل الإنساني، والعمل الجماعي حول المريض.
- كما يطرح المقال تساؤلاً محورياً حول مستقبل الرعاية الصحية: هل سيتم توظيف التكنولوجيا لتعميق الطابع الصناعي للطب، أم لتحرير الأطباء من القيود البيروقراطية وجعلهم أكثر حضوراً وإنسانية؟
ويشدد مارتينيلي على ضرورة مشاركة الأطباء بفاعلية في تصميم وتطبيق هذه التقنيات، بدلاً من الاكتفاء بدور المتلقي. في المحصلة، يدعو المقال إلى إعادة صياغة النقاش: الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الطبيب، بل اختبار لقدرة الطب على استعادة جوهره الإنساني.
إعادة تعريف دور الطبيب
وإلى ذلك، يقول أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، الدكتور حسين العمري، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الذكاء الاصطناعي لا ينافس الطبيب بقدر ما يُعيد تعريف دوره.
- في بعض المهام الضيقة، نعم، تفوق بالفعل. لكن في الطب ككل، الصورة أكثر تعقيدًا.
في مجالات محددة، خاصة تحليل البيانات الضخمة والأنماط الدقيقة، أظهر الذكاء الاصطناعي أداءً لافتًا، حيث استطاعت أنظمة الذكاء الاصطناعي:
- تحليل صور الأشعة (الأورام، الشبكية) بدقة قد تضاهي أو تتجاوز بعض الأطباء
- اكتشاف أنماط خفية في السجلات الطبية لا يراها الإنسان بسهولة
- تقديم توصيات علاجية مبنية على آلاف الدراسات خلال ثوانٍ
في هذه المهام التحليلية، الذكاء الاصطناعي أسرع، ولا يُرهَق، ولا يتأثر بالعوامل النفسية.
أين يتفوق الطبيب؟
- الفهم الإنساني: قراءة مشاعر المريض، القلق، السياق الاجتماعي
- اتخاذ القرار المعقّد: خاصة في الحالات غير النمطية أو الغامضة
- المسؤولية الأخلاقية: من يتحمل القرار؟ الآلة أم الإنسان؟
- التواصل والثقة: عنصر لا يمكن استبداله بسهولة
ويوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يقترح، لكن الطبيب هو من يوازن بين العلم والإنسان.
ويرصد أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، العوامل التي تمنع التفوق الكامل، على النحو التالي:
- التحيز الخوارزمي: إذا كانت البيانات منحازة، فالنتائج كذلك
- الهلوسة: توليد معلومات غير دقيقة بثقة عالية
- نقص الشفافية: بعض الأنظمة “صندوق أسود” يصعب تفسير قراراتها
- المسؤولية القانونية: لا يوجد حتى الآن إطار واضح لمحاسبة الأنظمة
ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الأطباء، لكنه سيستبدل الأطباء الذين لا يستخدمونه، مردفاً: "سيكون لدينا طبيب مدعوم بالذكاء الاصطناعي بدلا من طبيب وحده أو ذكاء اصطناعي وحده".
ويوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الطبيب في قراءة البيانات، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محلّه في فهم الإنسان.