في مشهدٍ غير مسبوق يعكس عمق التداعيات الجيوسياسية على قطاع النقل الجوي العالمي، كشف الخبير في شؤون الطيران ورئيس جمعية الطيارين الخاصين في لبنان، الكابتن مازن السماك، خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، عن حجم الكارثة الهادئة التي يعيشها قطاع الطيران جراء الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز وممرات الطاقة في الشرق الأوسط.

فالأرقام التي كشف عنها السماك تتجاوز حدود التوقعات: وقود تضاعف سعره بنسبة 240 بالمئة، وتأمين قفز 60 بالمئة، وأوروبا لا تملك سوى ستة أسابيع من الاحتياطي قبل أن تُحلّق طائراتها في فراغ.

أزمة وقود الطائرات .. كابوس يشعل أسعار التذاكر

الوقود والتأمين.. رافعتا التكلفة الأكثر ارتفاعاً

أوضح الكابتن مازن السماك أن الوقود يشكل أكثر من 30 بالمئة من كلفة الرحلة، ويمكن أن يصل إلى 40 بالمئة في الرحلات الطويلة. وأكد أن الوقود والتأمين هما العنصران الأساسيان اللذان شهدا ارتفاعاً كبيراً، حيث قفز التأمين بنسبة 60 بالمئة، بينما ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 240 بالمئة.

وأوضح السماك أن متابعة سعر برميل النفط وحدها لا تكفي لاستيعاب أسباب هذه القفزة النوعية التي بلغت 240 بالمئة، موضحاً أن ثمة تكاليف تكرير إضافية لتحويل النفط الخام إلى وقود صالح للطائرات من نوع Jet A-1. وأضاف أن أي توقف جزئي في المصافي، ولو كان محدوداً، كما هو الحال في مصافي الكويت الثلاث الكبيرة، ينعكس مباشرة على سلاسل إمداد الوقود.

وشدد الخبير على أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى عدم توفر الوقود فعلياً بسبب اختلالات العرض والطلب. وأفاد بأن الشركات الأوروبية، خصوصاً تلك التي تستورد وقودها من الشرق الأوسط، وقعت في أزمة حقيقية، إذ فرضت دول مصدرة للنفط قيوداً على التصدير خوفاً على مخزونها الذاتي وحفاظاً على مخزون طائراتها.

السماك: ارتفاع أسعار الوقود والتأمين تهدد صناعة الطيران

التحوط الوقائي.. درع مفقود للشركات الصغيرة

لفت السماك إلى ضرورة أن تكون شركات الطيران قد تحوطت تقبلاً لهذه الأزمة، مؤكداً أنه نصح عدة مرات عبر شاشة سكاي نيوز بممارسة "Fuel Hedging" (التحوط على الوقود)، والذي يتم عبر شراء الوقود بعقود آجلة بأسعار منخفضة عندما كان سعر برميل النفط حوالي 50 دولاراً.

وكشف أن شركات الطيران لا تمتلك خزانات وقود خاصة بها، بل تستورد الوقود أو تستمدّه من شركات النفط الموجودة في كل بلد مثل توتال وبي بي. وأوضح أن الشركات التي تمتلك ملاءة مالية أفضل تكون في وضع أفضل من الشركات الضعيفة مالياً، وأن مستوى التحوط يختلف من شركة طيران إلى أخرى.

أخبار ذات صلة

كبرى شركات الطاقة: الأسوأ لم يأت بعد.. والطلب العالمي يتدهور
أوروبا: العالم ينتظر عواقب "كارثية" مالم يؤمن مضيق هرمز

إجراءات تقشفية قاسية.. إلغاء مسارات وتجميد طلبيات

استعرض رئيس جمعية الطيارين الخاصين الإجراءات التي تتخذها شركات الطيران للتخفيف من الضرر، والتي تشمل تغيير المسارات والابتعاد عن المسارات غير المربحة، وإلغاء الرحلات التي لا تتجاوز سعتها التشغيلية 70 بالمئة. وأشار إلى أن الشركات تلجأ إلى دمج الرحلات باستعمال طائرات أكبر، أو استعمال طائرات أصغر لتوفير الوقود، وتغيير الوجهات أو تقليل الترددات نحو تلك الوجهات، فإذا كانت الشركة تطير خمس مرات أسبوعياً قد تخفضها إلى مرتين أو ثلاث.

وفي إجراءات أكثر قسوة، كشف السماك أن طلبيات الطائرات المستقبلية جُمّدت كلياً، كما جُمّدت طلبات التوظيف كلياً، مؤكداً أن شركات الطيران تعيش هذه الإجراءات حالياً.

أخبار ذات صلة

التصعيد في المنطقة.. آخر الأخبار
ارتفاع أسعار الوقود يربك شركات الطيران

الممر الجوي الأوروبي الآسيوي.. أطول وأعلى تكلفة

تحدث الخبير عن معاناة الشركات الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الممر الذي يربط أوروبا بآسيا، وخاصة الرحلات المتجهة إلى جنوب شرق آسيا والهند وسريلانكا. وأوضح أن هذه الرحلات أصبحت تمر إما شمالاً عبر المجال الجوي التركي، أو جنوباً عبر المملكة العربية السعودية والبحر الأحمر، مما يعني مسارات أطول، وبالتالي استهلاك وقود أكبر وتأمين أكثر وتكاليف تشغيلية كبيرة لا تستطيع أي جهة تحملها.

سلوك المسافر.. تغير جذري نحو الحجز المتأخر

أكد السماك أن سلوك المسافر تغير بشكل لافت، حيث أصبح يبحث عن الأمان كجزء من المنتج السياحي. فبينما كان المسافر يخطط لشراء التذكرة قبل وقت طويل لتوفير المال، فإنه اليوم، وبسبب إلغاء شركات الطيران لرحلاتها وإعادتها المال للمسافر كاملاً دون عمولات، لم يعد المسافر يحجز إلا قبل وقت قصير من الرحلة لضمان قيامها.

وأضاف أن شركات الطيران نفسها "ضائعة" في حساب مداخيلها، التي تعتمد على مؤشر "العائد من الركاب لكل كيلومتر مقطوع" (Passenger Revenue per Kilometer)، مشيراً إلى أن هذا المؤشر أصبح "مخربط" بسبب إلغاء الرحلات وإعادة الأموال، مما جعل التوقع المالي صعباً.

هدنة مؤقتة ومستوى خطر مرتفع

وفي تقييم للأوضاع المنطقة، شدد الكابتن السماك على أن وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الحرب، واصفاً الوضع بأنه "هدنة مؤقتة تمديد لوقف إطلاق النار". وحذر من أن شركات التأمين تتعامل مع لبنان على أنه "ريد فلاغ" (علم أحمر) بسبب استمرار حالة الحرب.

وأوضح أن التكاليف التشغيلية ما زالت عالية، وأن تغيير المسار قد يحدث في أي لحظة، فقد تصل تعليمات للطيار أثناء الرحلة بتغيير المسار مما يزيد الرحلة مئات الأميال بقرار واحد. وأشار إلى أن حدة التوتر العسكري والأمني خفت كثيراً، لكنها عادت مع توتر آخر، ولا أحد يعلم ماذا سيحدث.

وأكد السماك أن تقييم المخاطر يتم بشكل ديناميكي وقبل دقائق من الرحلة، موضحاً أن التقييم الحالي أخف بكثير من الأسابيع الأولى للحرب، لكنه ما زال قائماً. وتتم الإجراءات عبر غرف عمليات الطيران المدني المتصلة بوزارات أمنية (الدفاع والداخلية) وبالسفارات أو مصادر خارجية تستقي منها معلومات مؤكدة، لتقييم كل رحلة قبل أي هبوط أو إقلاع.

وختم السماك بالتأكيد على أن شركات الطيران وسلطات الطيران المدني لا تأخذ أي خطر، ولو بنسبة 0.0001 بالمئة، مشدداً للجميع: "ما في أي خطر ممكن يصير خلال الحرب لأننا ما بنأخذ هذا الخطر". ولفت إلى أن شركات التأمين استفادت من زيادة نسبتها 60 بالمئة وهي تعلم أن الشركات لن تخوض أي رحلة تنطوي على خطر.

تذاكر السفر تشتعل وشركات الطيران في خطر